.
.
.
.

«ساركوزى»: الديمقراطية والفساد والتجريس

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

يوم الاثنين الماضى، أصدرت محكمة فرنسية حكمًا بالسجن ثلاث سنوات على الرئيس الأسبق، نيكولا ساركوزى، مع إيقاف التنفيذ بالنسبة لسنتين منها، والتنفيذ الوجوبى لمدة سنة، وأوضحت أنه يمكن أن يقضى السنة سجينًا فى البيت مع استعمال الأسورة الإلكترونية، التى تُمكِّن رجال الشرطة من مراقبة تحركه بانتظام، وليس ضروريًا أن يقضى السنة داخل السجن العمومى. الحكم صدر فى قضية فساد، ومن وقائعها نعرف أن مكالمات «ساركوزى» التليفونية كانت مراقَبة ومسجَّلة، أثناء الرئاسة، وبعد مغادرة «الإليزيه» تكشفت بعض الأشياء. القضية برمتها تُصنف فى خانة الفساد المالى.

الطريف فى الأمر أن هذه القضية مجرد هامش فى قضية أكبر ينظرها القضاء الفرنسى حول اتهام مُوجَّه إلى «ساركوزى» بأنه تلقى رشى مالية من المرحوم معمر القذافى ليخوض بها الانتخابات الرئاسية فى فرنسا، الادعاء العام وجّه اتهامات واستعمل كلمات غاية فى القسوة بحق «ساركوزى»، كان سيف الإسلام القذافى أول مَن أثار هذا الأمر سنة 2011، بعدما رأى الموقف العدائى الذى اتخذه «ساركوزى» من والده. عقب سيف الإسلام، تحدث أحد المقربين من القذافى باعتبار أنه هو مَن تولى تسليم الملايين إلى «ساركوزى»، حين كان الأخير وزيرًا للداخلية أيام الرئيس جاك شيراك. طبقًا لما رواه رجل القذافى، طلب «ساركوزى» مبلغًا كبيرًا، وتم تكليفه بأن يسلم له أكثر من 13 مليون يورو، حملها «ساركوزى» فى الطائرة، وأمكنه كوزير للداخلية إدخالها، ثم ظهرت تقديرات أخرى وصلت إلى أن مجموع ما دفعه القذافى حوالى خمسين مليون يورو، مقابل أن يساعد «ساركوزى» القذافى على العودة ثانية إلى المجتمع الدولى، كان القذافى قد قرر بعد احتلال العراق فتح صفحة جديدة مع الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة، وحقق قدرًا من النجاح فى ذلك، خاصة بعد أن سلم الولايات المتحدة أسرار مشروعه النووى.

.. وأعلن وقتها أن الجماهيرية كانت قد اقتربت كثيرًا من امتلاك قدرات نووية فعلية، وهو ما قاد إلى كشف ما قام به عبدالقدير خان، أبوالقنبلة الباكستانية، من نشر خبراته النووية ومشروعه، الذى عُرف وقتها إعلاميًا بـ«القنبلة النووية المصغرة أو القذرة» (باعتبار أن القنبلة النووية لدى القوى الكبرى نظيفة!!)، وقتها ساعدت عدة دول الرئيس القذافى على أن يبدأ من جديد، سيف القذافى قال إن المساندة الرئاسية الفرنسية كانت مدفوعة لـ«ساركوزى» شخصيًا، وليس للدولة الفرنسية. سواء صحت الأرقام أو لم تصح، الأمر كله فى يد القضاء الفرنسى العريق.

حكم الاثنين الفائت والقضية برمتها تثير عدة أمور، أهمها أن«تجريس» المسؤول الكبير بعد أن يغادر موقعه ليس وقفًا على دول العالم الثالث، ولا على الدول التى يعتبرها الغرب غير ديمقراطية، التجريس فى العالم الثالث يبدأ بإطلاق بعض كلاب الحراسة على المسؤول السابق للتهويش والإنذار، الصمت التام والابتعاد عن أى دور، وإلا..

فى العالم الأول لا يختلف الأمر كثيرًا، التجريس يتم بالقانون، تُرفع السرية عن التسجيلات، تُسرب إلى الصحافة، ثم تأخذ طريقها إلى القضاء، القانون له أنياب وفق المصطلح المفضل لدى الرئيس الراحل محمد أنور السادات، التجريس فى العالم الأول أو الديمقراطى يكون بهدف إبعاد الشخص المقصود عن السعى لدور أو موقع سياسى، ناهيك عن أن يعود إلى الموقع نفسه، «ساركوزى» أمامنا، وكذلك دونالد ترامب فى الولايات المتحدة الأمريكية، عدد من المُحلِّلين الفرنسيين والأوروبيين أكدوا بعد صدور الحكم أن «ساركوزى» فى نهاية المطاف لن يُسجن، لكن المقصود منعه من خوض الانتخابات الرئاسية القادمة، يبدو أنه استوعب الرسالة، إذ أعلن أنه لن يكون مرشحًا فى الانتخابات القادمة، وأنه سوف يطعن على الحكم.

فى مسألة التجريس السياسى والدولة العميقة، فإن دول العالم الثالث وما يجرى فيها أقرب إلى أداء الهواة والمبتدئين إلى جوار الدول التى تُصنَّف فى العالمين الأول والثانى، يبدو أن الأمر مرتبط بمعنى الدولة ذاته، بغض النظر عن الموقع الجغرافى والحالة الثقافية والاجتماعية، فضلًا عن هوية النظام السياسى، الواقع أننا كباحثين مصريين وعرب تقبلنا التقسيمات والتمييز الأوروبى/ الأمريكى لكل الظواهر الإنسانية، فقذفوا ما هو سلبى تجاهنا نحن، ونسبوا كل ما هو إيجابى إلى أنفسهم ومجتمعاتهم، تلك نظرة عنصرية لنا، ابتدعوها هم منذ قرون وابتلعناها نحن، ثم رحنا نرددها ونتماهى معها، فى حين أن الظواهر الإنسانية واحدة تقريبًا، الإنسان هو الإنسان فى كل مكان، الاختلاف فى الأداءات والتعبيرات فقط.

غير أن أخطر ما تكشفه قضية «ساركوزى» هو حجم الفساد وطريقة التعامل معه فى النظم المُصنَّفة بالديمقراطية، وهنا نستحضر قضية سابقة للرئيس جاك شيراك- كان صديقًا حقيقيًا للعالم العربى- أُدين «شيراك» بعد أن ترك الرئاسة فى قضية فساد تعود إلى وقت سابق على توليه الرئاسة، حين كان عمدة باريس، ولم ينزعج المجتمع من القضية، أوقف تنفيذ الحكم، واعتُبر الأمر عابرًا، وحين دخل ترامب البيت الأبيض سنة 2016، ظهرت عدة كتب تتحدث عن جرائم وانحرافات مرعبة، ارتكبها قبل الرئاسة، ولم ينزعج هو منها، ولا خصومه اهتموا، ولم يتوقف الكونجرس عندها، فضلًا عن مجلس الشيوخ، باختصار مر الأمر بهدوء.

الواضح أمامنا أن النظم الديمقراطية تحاسب المسؤول عن الفساد أثناء شغله الموقع، أما ما قبل ذلك فيتم تجاهله غالبًا، إلا إذا اقتضت الظروف غير ذلك، لا يقف الأمر عند حالات «ساركوزى» و«شيراك» و«ترامب» فقط، بل النماذج عديدة، أى أن ما يسمى عندنا «حسن السمعة وحسن السير والسلوك» لا اعتبار كبيرًا له فى المسألة الديمقراطية، بل إن خوض الانتخابات والمعايير الديمقراطية قد يكون فرصة أمام البعض لغسل الأسماء والسمعة، أحيانًا تكون فرصة لتعطيل اتخاذ إجراء قضائى، الحالة الواضحة أمامنا فى إسرائيل، تحديدًا مع بنيامين نتنياهو، حيث يواجه تهمًا بالفساد والانحراف وقعت أثناء شغل موقعه، ومع ذلك يخوض الانتخابات ويشكل الحكومة، لا يقف الأمر عند حدود المناصب الرفيعة كرئيس للحكومة أو رئاسة الدولة، بل نجده على مستوى المجالس النيابية، وفى هذا حدِّث، ولا حرج، حول العالم كله، وإذا حدث تدخل لمنع فاسد من الترشح فسوف يُعتبر انتقاصًا من الديمقراطية، وإهدارًا لحق من حقوقه، وإساءة إلى حقوق الإنسان عمومًا، أما إذا مارس الفساد بعد الانتخاب فلن يُحاسَب عليه غالبًا، إذا حوسب، إلا بعد مغادرة الموقع، طبعًا هناك حالات استثنائية حوسب فيها المسؤول قبل المغادرة، الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون نموذجًا، وكانت المحاسبة فى دفعه أو إجباره تقريبًا على الاستقالة، وفى اليوم التالى نال عفوًا عامًا، أصدره خلفه أو نائبه (سابقًا) الرئيس جيرالد فورد.

المحاسبة تكون على الفساد المالى غالبًا، وأحيانًا الفساد الأخلاقى، إذا تعلق بتحرش أو اغتصاب وما شابه، انتشرت تلك المحاسبة فى السنوات الأخيرة بفضل نشاط الجماعات النسائية، أما الفساد السياسى فلا حساب عليه إلا فى أضيق الحدود، فساد التقديرات والقرارات، كما حدث من الرئيس بوش الابن ورئيس الوزراء البريطانى تونى بلير تجاه العراق، حيث خاضا حربًا ضروسًا وجرى احتلال العراق سنة 2003، تأسيسًا على أن العراق يمتلك قدرات نووية، بعد الاحتلال مسحوا العراق من أقصاه إلى أدناه، ولم يعثروا على شىء، تبين أن العراق لم تكن لديه أسلحة نووية، بل كان فقيرًا، حتى فى الأسلحة التقليدية، وكانت النتيجة تدمير العراق وأكثر من ثلاثمائة ألف عراقى قُتلوا، وأضعافهم من الجرحى. مدن بأكملها دُمِّرت، وقبل عدة سنوات خرج «بلير» ليعتذر، وتَكَشَّف أن تقدير المخابرات الأمريكية كان يؤكد أن العراق لا يمتلك قدرات نووية، ولا يدعم الإرهابيين، أى أنه كان هناك قرار سياسى متعسف بخوض الحرب لأسباب تبدو شخصانية، مع هذا، لم تحدث أى محاسبة على هذا الفساد السياسى!.

السؤال الآن من الناحية القانونية والأخلاقية: هل نمنع الفاسد، بالمعيار المالى والاقتصادى وما يرتبط بهما، من الوصول إلى الموقع، أم نتركه يمر ولا نهتم بما صدر عنه من قبل، فنكتفى فقط بمراقبته ومحاسبته إن ارتكب فسادًا جديدًا، وغالبًا سيرتكب؟

هل منعه من الأصل يخِلّ بالديمقراطية؟ وهل تركه يُعد قبولًا صامتًا بالفساد؟

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.