.
.
.
.

السعودية ومعركة الضرورة بعد رأس تنورة

علي شندب

نشر في: آخر تحديث:

ما كادت طائرة بابا الفاتيكان تغادر العراق، حتى ارتفعت وتيرة الصواريخ الحائرة والطائرات المُسيرة التي تستهدف السعودية انطلاقا من الأراضي التي يسيطر الحوثيون عليها في اليمن. لكن التطور الميداني الأبرز كان في استهداف طائرة مسيرة لخزان بترولي في ميناء رأس تنورة، بالإضافة إلى سقوط شظية من صاروخ باليستي قرب مجمع سكني يقطنه آلاف الموظفين التابعين لشركة أرامكو في مدينة الظهران، من دون وقوع خسائر بشرية.

وبعيدا عن بيانات الشجب والاستنكار للدول العربية والأجنبية، وعن كون هذا الاستهداف يشكل تهديدا جديا على أمن الصادرات البترولية وحرية التجارة العالمية وحركة الملاحة البحرية، فضلا عن الكوارث البيئية في المياه الإقليمية بسبب احتمالية تسرب المنتجات البترولية الناجمة عن هذه الأعمال الحربية العدوانية. وبعيدا أيضا عن الإجراءات الأمنية الدفاعية التي ستضطر السعودية إلى اعتمادها حماية لأمنها ولمقدرات ثروتها النفطية والبترولية، فإن استهداف ميناء رأس تنورة يشكل تحوّلا حقيقيا في الحرب على السعودية خاصة ودول الخليج العربي عامة.

إنها الحرب التي لم تعد تتلطى إيران فيها خلف الحوثيين في اليمن، رغم إعلان الحوثي مسؤوليته عن استهداف ميناء رأس تنورة. لكن هل فعلا أن الحوثي هو من استهدف رأس تنورة، وهل فعلا أن الحوثي هو من سبق واستهدف معامل أرامكو في بقيق. وهل بات للحوثي مواقع لمنصّات صواريخ إيران الباليستية وطائراتها المسيرة في جنوبي العراق حتى يعلن مسؤوليته عنها؟

الوقائع الميدانية المتناسلة في تطورها ونوعيتها، باتت تشي بوضوح عار من كل التباس أن إيران طوّرت أساليب حربها على السعودية، بل ووسعت محور وجبهات هذه الحرب بحيث لم تعد محصورة بالحيّز اليمني. فقد أتى استهداف ميناء رأس تنورة ليثبت أن استهدافه وأيضا استهداف معامل بقيق عام 2019 قد حصل من الحدود الأخرى مع السعودية، ونعني جبهة جنوبي العراق حيث تنتشر منصات صواريخ إيران الباليستية وأيضا طائراتها المُسيرة. وإن عبارة المتحدث باسم التحالف تركي المالكي أن المسيرات أتت من البحر يحمل الإجابة الدقيقة التي تحصر الاتهام بإيران دون تسميتها، لكن المتحدث السعودي لم يحدد بالضبط من أي بحر انطلقت المسيرات، أمن بحر إيران، أم من بحر البصرة في جنوبي العراق؟

بدون شك إيران المراقبة بالأقمار الصناعية والرادارات المختلفة والميكروسكوبات الما بعد الدقيقة، أذكى من أن تتورط مباشرة سواء في إطلاق الصواريخ، أو المسيرات المفخخة. ولأجل هذا الذكاء صرفت الكثير من الجهد والوقت والمال وأيضا الصبر الاستراتيجي في سبيل إنتاج هذا العدد الكبير من الميليشيات في العراق وغيره بعد فحص وتخصيب ولاءاتها العقدية والفقهية، ما جعلها تجيد اللعب مع الولايات المتحدة الأميركية في العراق الذي تحوّل إلى كيس رمل دفاعا عن إيران.

وفق هذا السياق الاستراتيجي من التحولات في المنطقة ينبغي النظر إلى استهداف ميناء رأس تنورة، وأيضا مدينة الظهران. إنه السياق الذي يقول إن إيران انتقلت إلى صفحة جديدة من الحرب على السعودية. إنها الصفحة التي لم يعد الحوثي ذراع إيران الوحيد فيها، سيما وأن الجغرافيا العسكرية لمنصات مسيرات رأس تنورة كشفت عن انخراط الحشد الولائي بوصفه واجهة الحرس الثوري الإيراني فيها.

صحيح أن الميليشيات الولائية في العراق قد التزمت الصمت الصاروخي خلال زيارة بابا الفاتيكان إلى العراق، في لحظة كانت فيها إدارة بايدن تقيم وتدرس الرد المحتمل على مطلقي نحو 15 صاروخا على قاعدة عين الأسد التي تتمركز فيها القوات الأميركية. لكن الإدارة البايدنية المهمومة بكيفية إعادة إيران إلى طاولة التفاوض النووي، والتي تعرضت ضرباتها الجوية على مواقع حزب الله العراقي ردا على قصف مطار أربيل للكثير من التنمّر السياسي والإعلامي، حاولت بالأمس استعراض بعض القوة من خلال تحليق قاذفة بي 52 القادرة على حمل وإطلاق أسلحة نووية في سماء الخليج ردا على استهداف قاعدة عين الأسد. لكنه التحليق الاستعراضي الذي لم ينجح في حماية شركاء واشنطن وحلفائها في المنطقة كما تدعي عبر لجم المُسيرات المفخخة على رأس تنورة.

إنها اللحظة الحرجة التي تمر بها المنطقة التي يزيد من اشتعال النيران فيها التجاذبات القائمة حول ملف إيران النووي وصواريخها الباليستية وأيضا أذرعها المتغولة على الدول التي تنتشر فيها. وإذا كانت إيران تعتبر أن رفع العقوبات عنها أولا هو الشرط الضروري لاستئناف المفاوضات مع واشنطن، فإنها تعتبر أن منظوماتها الصاروخية كما أذرعها خارج معادلات وبورصات التفاوض سيما وأنها المنظومات والأذرع التي نمت وترعرعت واتخذت شرعية إضافية مكنتها من تمدد تغولها في المنطقة مع لحظة انطلاق رقصة التانغو النووية بين إيران الخامنئية وأميركا الأوبامية.

وفق هذا السياق أيضا فإن استهداف ميناء رأس تنورة من خلال إعلانه هدفا محتملا لمُسيّرات قادمة يعني أن إيران تحاول تعبئة فراغ الوقت المستقطع بتوسيع مروحة المواجهة والسيطرة النارية حتى انتصاب طاولة التفاوض مع واشنطن لتحسين شروطها وتثبيت مواقع نفوذها الجديدة، الأمر الذي سيضع دول المنطقة عامة والسعودية خاصة أمام تحديات وتهديدات جديدة وجدية، لاسيّما في حال لم تكن نتائج الرقصة النووية التي ينتويها بايدن مع خامنئي على حساب أذرع إيران ومنظومتها الصاروخية.

وتوازيا مع الكلام عن محاولات البعض تخريب العلاقات الأميركية السعودية، عبر الاستثمار السلبي على تقرير المخابرات الأميركية حول مقتل جمال خاشقجي، وتضخيم مفاعيل التقرير رغم هشاشة مضمونه واعتباره بمثابة الضلع الموازي للمُسيرات المفخخة التي تستهدف المملكة التي لم تكشف بعد عن حقيقة أوراقها ومواقع قوتها على امتداد المنطقة والعالم. سيما وأن السعودية تدرك جيدا بأنها باتت وجها لوجه في مواجهة مباشرة مع إيران وليس مع أذرعها فقط. وهي المواجهة التي يرجح أن السعودية بدأت التعامل معها على هذا الأساس.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.