.
.
.
.

لا يتعلم التونسيون من اللبنانيين؟

مختار الدبابي

نشر في: آخر تحديث:

يختفي تماما صوت العقل في الصراع السياسي التونسي، ويحضر في مقابله التحشيد الحزبي والمناطقي والديني والعلماني، وكأننا على أبواب “جهاد” قديم في القرون الوسطى، أو استعادة لمناخ الحرب الأهلية في لبنان وصرخات أبطال غادة السمان في “بيروت 75” أو “كوابيس بيروت”.

مساء الاثنين كانت البلاد أمام صورة مصغرة من حرب أهلية، أو ربما هي بروفة لما ستكون عليه في قادم السنوات في ظل رغبة “الرؤوس الثلاثة” والأحزاب والمنظمات المختلفة على الانتصار في معارك لي الذراع بالقوة وإذلال الخصوم دون أي اعتبار لأمن البلاد واستقرارها..

تجمّع العشرات من أنصار الحزب الحر الدستوري، برئاسة النائبة في البرلمان عبير موسي، أمام مقر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين متمسكين بغلقه بالقوة بعد وقوف القضاء في منتصف الطريق، فهو لم يقرر غلقه ولا سحب رخصته، كما لم يجز له، في قرار واضح، بأن يستمر.

وفي ظل الهرج والمرج والشعارات الحامية التحقت مجموعات من جماعة “ائتلاف الكرامة” (الإسلامي الشعبوي) تضم بعض نوابه في البرلمان وعددا من أنصاره، وقالوا إنهم جاؤوا استجابة لنداءات استغاثة من “محتجزين” داخل مقر المنظمة المثيرة للجدل إقليميا، وبدأت مواجهة محدودة بالشعارات والتدافع لولا أن تدخلت قوات الشرطة في آخر المساء لتطبيق “حظر الجولان”.

ويمكن أن تتكرر المواجهة في أي لحظة، وقد تخرج من حدود مكان الاعتصام إلى الشوارع القريبة، وقد يخرج هامش العنف من العنف اللفظي والتدافع إلى العصي والحجارة، ويلجأ المغلوب إلى السلاح والميليشيات..

هي فقط شرارة أولى خاصة أن الجميع يصب الزيت على النار، من سياسيين إلى فضائيات محلية وخليجية بات شغلها الأول تونس..

صارت تونس على مسافة صغيرة من صورة لبنان منتصف السبعينات والثمانينات قبل أن تتم شرعنة الحرب الأهلية وطوائفها وأدواتها وتحويلها إلى اتفاق سياسي برعاية عربية.

تقول مختلف المؤشرات إن التونسيين لم يتعلموا شيئا من تجربة لبنان، وأن البلاد تعيد إنتاج أهم ملامح وعناصر الانهيار اللبناني، بدءا من طبقة سياسية تفكر بمنطق الطائفة، والفرقة الناجية، التي تستعين بكل الأوراق الداخلية والخارجية من أجل فرض نفسها الطرف الأقوى الذي يجيب على الجميع طاعة والرضوخ لإملاءاته وحساباته الداخلية والخارجية.

ويتحمل المسؤولية الآن الرؤساء الثلاثة (رئيس الجمهورية قيس سعيد، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة هشام المشيشي)، فإذا لم يتوصلوا إلى اتفاق عاجل يتنازل فيه الجميع عن منطق المغالبة وتسجيل النقاط، فالبلاد ستسير إلى أزمة مفتوحة قد تعجز معها الوساطات ودعوات الحوار الوطني.

في آخر كلام له، قال الرئيس سعيد إنه مع الحوار، ولكن أي حوار؟ فقد اشترط “ألا يكون (هذا الحوار) على غرار الحوارات السابقة، وعلى ألا يشارك فيه إلا من كان مؤمنا حقيقة باستحقاقات الشعب التونسي الاقتصادية والاجتماعية فضلا عن مطالبه السياسية”.

وهذا يعني ببساطة أن جزءا ممن يقفون وراء الأزمة لن يكونوا موجودين في الحوار (ائتلاف الكرامة، وقلب تونس، وربما حركة النهضة)، وسيشارك فقط المحسوبون على الرئيس أو ما يعرف بأحزاب الرئيس.

من جهته، يقول المشيشي إنه لن يستقيل لتحقيق شرط رئيس الجمهورية في فتح باب الحوار.. وهذا يعني ببساطة أن لا حوار في الأفق. وعلى العكس يجد رئيس الحكومة المغضوب عليه دعما قويا من حزام برلماني يفوق 140 نائبا بينهم نواب النهضة وائتلاف الكرامة، وحزب قلب تونس، ونواب مستقلون محسوبون على حزب نداء تونس القديم لا يخفون حماسهم للحكومة كونها أقرب إليهم.

والاستقالة حاليا شبه مستحيلة، فقط يمكن أن تتم من خلال توليفة أوسع بعد أشهر، مثلا ضمن اتفاق خلال الحوار الوطني الذي يرعاه الاتحاد بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وقد تكون الحكومة هي المعنية بالاستقالة وليس رئيس الحكومة، أي أن المشيشي التكنوقراط المحتمي بالنهضة قد يستمر في أي صفقة توافقية.

هناك طرح آخر تتبناه “أحزاب الرئيس”، يدفع نحو حكومة سياسية بقيادة شخصية سياسية، وهذا صعب لأن الشخصيات السياسية المعروفة مصنفة بالضرورة في هذا الفريق أو ذاك، وما تقبل به النهضة وتحالفها البرلماني قد يرفضه الرئيس وتحالفه الحزبي، ما يجعل الحكومة السياسية بمثابة إعادة إنتاج للأزمة من بوابة المغالبة بدل حلها عن طريق التوافق.

بقطع النظر عن الحجج والمبررات، صارت الناس تعرف حقيقة الأزمة، لم يعد الرؤساء الثلاثة على حق طالما أن صراعهم على القيادة المتفردة سيقود إلى فراغ سياسي دائم يمنع من اتخاذ القرارات لتصويت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.. وهذا وجه آخر من وجوه استدعاء الأزمة اللبنانية.

الطبقة السياسية التي ظهرت منذ 2011، والتي تحكم البلاد، تعمل على استمرارها بخلق آليات تجدد الأزمة وتجعلها مثل كرة متدحرجة تجمع من حولها وجوها جديدة وشخصيات أخرى “نظيفة” و”نزيهة”، وتقوم هي على تحويل القادم الجديد إلى نسخة منها وتعويده على العادات القديمة القائمة على الانتهازية وصراع المكاسب الشخصية ورهن الحلول لمصالحه المباشرة، وهو ما يحصل حاليا مع المشيشي والرئيس سعيد، فكلاهما جديد، وبلا تاريخ سياسي أو حزبي، ويظهران رغبة في التغيير، ولكن ضمن تحالفات تجعلهما واجهة للمعركة الحامية التي ينتظر أن تعيشها البلاد..

وفيما تتمترس “أحزاب الرئيس” خلف سعيد وتدفعه لمواجهة من فشلت على هزمهم بصناديق الاقتراع وبالتحالفات التكتيكية واللعب تحت الطاولة، فإن الآخرين يلعبون نفس اللعبة مع المشيشي، حيث يضخمون لديه الإحساس بالمظلومية ويحوّلونه إلى واجهة صراع مع رئيس الجمهورية.

ومع اقتراب انتخابات 2024 سنجد أن سعيد والمشيشي قد باتا من الوجوه القديمة التي دخلت ماكنة “الحرب” فيما سيركز الجميع على وجوه جديدة لإدخالها إلى اللعبة وتوظيفها في صراعات أخرى حسب قيمتها وتاريخها وقدرتها على لعب الأدوار المطلوبة..

إنها لعبة إنتاج أمراء الحرب..

كل الشعارات التي رفعتها ثورة 2011 مازالت معلقة بسبب غياب الإرادة السياسية التي تقدر على وضع البرامج اللازمة وتمريرها للبرلمان للمصادقة عليها.. البطالة اتسعت دائرتها وارتفعت نسبها، والفئات الفقيرة باتت عاجزة عن توفير لقمة العيش في ظل ارتفاع ناري للأسعار وغياب جهة مدافعة عنها..

لكن الأكثر خطرا هو استنزاف الدولة من خلال الفساد الذي اتسعت دائرته وتنوعت طرقه وأشكاله، ومن خلال الزيادات غير المحسوبة في الرواتب والعلاوات، والتي تتم في سياق الترضيات السياسية وشراء السلم الاجتماعي، وهو وضع يمهد لصدام بين تونس والجهات الدولية المانحة، وخاصة صندوق النقد الدولي الذي يضع خطوطا حمراء أمام الحكومة التونسية من أجل تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية العاجلة واعتماد طريق يقوم على التقشف وتقليص الدعم والتوقف عن تسييس إدارة الأزمة الاقتصادية.

وتقف الحكومة حاليا في وضع صعب، فهي من ناحية مقتنعة بصواب مقاربة صندوق النقد خاصة ما تعلق بتوظيف القروض في الاستثمار وخلق مواطن العمل، وضرورة إصلاح المؤسسات الحكومية والتوقف عن ضخ الأموال على مؤسسات فاسدة، ومن ناحية ثانية تقف حكومة المشيشي في مواجهة الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية) الذي يفكر فقط في تحسين شروط عيش المنتسبين إليه.

لا شيء يظهر أن الأزمة في طريقها إلى الحل، وعلى العكس فهي تضيف كل يوم عناصر جديدة في توليفة متشابكة تجعل البلاد أقرب إلى الدولة الفاشلة.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة