.
.
.
.

الدبلوماسية الدينية

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

الدبلوماسية أحد أهم أنماط التفاعلات بين الدول، ولها أدواتها الخاصة فى التفاوض والتعامل «الدبلوماسى» من خلال سفارات وبعثات من أنواع شتى، ولكنها من آن لآخر تستعير من مجالات أخرى وظائفها لتحقيق أهداف الدولة العليا فى المجال الخارجى. هى تستعير من الإعلام والدعاية وتغترف من القوة الناعمة، وفى أحيان تلجأ للاقتصاد منحًا ومنعًا، وإذا ما عزَّ كل شىء فإن الاستخدام العنيف أو المسلح للقوة يُعد امتدادًا للدبلوماسية، التى يُقال عنها السياسة بوسائل أخرى. وفى 4 فبراير 2019، أطلق الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، مع البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، فى أبوظبى «وثيقة الأخوة الإنسانية» لكى تُعلى من شأن العلاقات الإنسانية بين البشر، وحرمة العدوان والعنف وإسالة الدماء. عمليًا جاءت الوثيقة كرد فعل دينى لعدد من الأمور، أولها حالات العنف الدينى الذى لجأت إليه فصائل متطرفة نبتت فى أحضان جماعة الإخوان المسلمين، ثم بعد ذلك أصبحت تعمل فى مجالها الخاص بالتطرف والوحشية فى العديد من دول العالم.

وثانيها أن ما بات ذائعًا من العنف الراديكالى ولّد موجات مضادة عُرفت بـ«الإسلاموفوبيا» فى دول غربية أولًا، ثم بقية دول العالم بعدها ثانيًا، ثم امتدت الكراهية من التنظيم إلى الدين الإسلامى ذاته ومعه المؤمنون به من المسلمين. وثالثها أن العنف والعنف المضاد، ومع استدعاء التاريخ الدينى للبشرية وما كان فيه من عنف وحروب ووحشية، ولّد تيارًا ناكرًا للدين أفضاله فى تحقيق السلام الروحى للإنسان، ووضع قواعد أخلاقية لمعاملاته أسهمت فى بناء التراث الإنسانى للتآخى والتراحم والخير بوجه عام. فى مواجهة ذلك كانت وثيقة الأخوة الإنسانية خطوة أولى استمرت بعدها مع تطور الفكرة لكى تشمل مجالات عدة، كان فيها للفاتيكان والأزهر وضع خاص، سرعان ما ظهرت آثاره حينما قام عدد من الدول العربية بتوقيع اتفاقيات للسلام مع إسرائيل جاءت اللمسة الدينية فيها من تسميتها بالاتفاقيات الإبراهيمية نسبة إلى النبى «أبوالأنبياء»، إبراهيم عليه السلام.

لم تكن التسمية جديدة، فقد حاول الإشارة إليها الرئيس الأمريكى جيمى كارتر عند توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، ولكن التسمية لم تلتصق بالموضوع. ولكن الأمر هكذا جاء مختلفًا وربما مسايرًا لما جاء من عصر بات فيه التواؤم ما بين الأديان ضروريًا سواء كان ذلك فى إدارة السياسة أو الدبلوماسية، وحتى مؤخرًا فى التعليم حينما قررت وزارة التربية والتعليم فى مصر أن يكون ما هو مشترك بين الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام جزءًا من مناهج الدراسة. ومؤخرًا، فإن البابا فرانسيس قام بزيارة مهمة إلى العراق، غرضها الرسمى تقديم البركة والتعضيد للأقلية المسيحية، بعد أن لقيت الكثير من الاضطهاد والإبادة، وانخفض عددها من مليون ونصف المليون إلى 200 ألف.

ولكن ما حدث كان أكثر من ذلك عندما قام البابا بالصلاة فى سهل «أور»، حيث عاش النبى إبراهيم، مرددًا صلاة «أبناء إبراهيم»، قائلًا: «أيها الإله القدير، يا خالقنا ويا مُحِبّ البشر وكل ما صنعت يداك، نحن أبناء وبنات إبراهيم المنتمين إلى اليهودية والمسيحية والإسلام، مع كافة المؤمنين وجميع أصحاب النوايا الحسنة، نشكرك لأنك أعطيتنا إبراهيم، ابن هذه الأرض النبيلة والعزيزة، أبًا مشتركًا فى الإيمان» الصلاة بعد ذلك طويلة تحدد مآثر الرسول الكريم، متجنبة فى دبلوماسية رائقة مناطق الخلاف بين الديانات فيما يتعلق بالقصة الإبراهيمية، فهى تحدد الاستعداد للتضحية بالابن فى سبيل مرضاة الله وطاعته، ولكن لا تقرر بالضرورة مَن كان الابن إسحق أم إسماعيل لأن المقصود هو المثال النبيل وليس أكثر.

ولكن قصة الأخوة الإنسانية لا تقف عند هذه اللحظة، وإنما تذهب أكثر من ذلك إلى لقاء آية الله العظمى على السيستانى، الذى يُعد الزعيم الروحى لمعظم المسلمين الشيعة فى العالم، والمعروف بالاعتدال والوطنية العراقية. وصفت صحيفة «الجارديان» البريطانية بداية اللقاء على الوجه التالى: «خلع البابا حذاءه قبل دخول غرفة السيستانى. وقف رجل الدين المسلم، الذى يظل جالسًا عادة للزوار، لتحية فرانسيس عند باب غرفته، وهو شرف نادر». وفى البيان المشترك أكد رجل الدين العراقى «حرصه على أن يعيش المواطنون المسيحيون مثل جميع العراقيين فى سلام وأمن، وبحقوقهم الدستورية كاملة».

كانت فكرة «المواطنة» العراقية، والأخوة الإنسانية، تولد فى بلد أعياه العنف، وجزّأه العدوان، ودمر حضاراته العريقة التطرف بأشكاله المختلفة بين السُّنة والشيعة، وبين كليهما وبقية الأديان الأخرى. زيارة البابا إلى العراق كانت خطوة أخرى للعراق الشقيق على طريق الاستقرار تحت قيادة واعية وحريصة على الوطن والمواطنة.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.