.
.
.
.

العدالة العددية للخبراء في المحكمة الاتحادية العليا

نشر في: آخر تحديث:

أضحت المحكمة الاتحادية العليا العراقية إحـدى المؤسسـات الدسـتورية ودعامـة أساسـية مـن دعـائم دولـة القـانون فـي العـراق و من أركان نظامه الجمهوري الاتحادي الديمقراطي , و هي الحارس الأمين للنص الدستوري التي حقوق الأفراد و حرياتهم مادته الأولى , و الجهة القضائية التي تفصل إذا ما كان هناك انتهاك للعقد الاجتماعي من خلال وضع القوانين تحت النظر الثاقب للقاضي الدستوري فيمحص فيها و يدقق ثم يقول كلمته العليا فيخضع الحكام و المحكومين للقانون .

ينتظر العراقيون بفارغ الصبر إقامة صرح العدالة بتشريع قانون المحكمة الاتحادية العليا , فلا يمكن أن تطول مدة غيابها , و إن عودتها للنظام السياسي يجب أن يكون بقانون يحافظ على هيبة القضاء الدستوري , إذ نصت المادة (92/ثانياً) من دستور العراق عام 2005 على مكونات هذه المحكمة , إذ تتكون من ثلاث فئات :

1 - فئة القضاة

2 - فئة خبراء الفقه الإسلامي

3 - فئة فقهاء القانون

و هذه الفئات هم المكونات الأساسية للمحكمة الاتحادية العليا بموجب نص دستوري صريح لا يمكن تجاوزه و هذه التشكيلة كانت سبباً لتأخير تشريع القانون , و كان وجود خبراء الفقه الإسلامي و فقهاء القانون من ضمن مكونات هذه المحكمة قد سبب جدلاً واسعاً بهذا الشأن , منهم مؤيد و منهم رافض , و لكن الحقيقة التي يجب التسليم بها هي أن مكونات هذه المحكمة مقرر بموجب نص دستوري صريح , لا يمكن القفز عليه , أو لوي عنق النص الدستوري و غض البصر عن أركانه , لذلك هو أمر مفروغ من النقاش .

و لكن الأمر الذي يجوز النقاش حوله يتمحور حول ثلاث نقاط :

1 - عددهم

2 - طريقة اختيارهم

3 - تنظيم عملهم

أما من ناحية عدد مكونات المحكمة الاتحادية العليا فإن مجلس النواب العراقي اقترح (7) من القضاة بينهم الرئيس و نائبه , و (6) من خبراء الفقه الإسلامي , و (4) من فقهاء القانون , وهذا العدد لخبراء الفقه الاسلامي الذي يقترب من عدد القضاة كثيراً و عدد فقهاء القانون غير الضروري له هو عدد مبالغ فيه و غير مبرر و تضخم للمحكمة الاتحادية العليا و كفيل بتغيير الطابع القضائي لهذه المحكمة في إصدار الأحكام المنحصر بالقضاة و يصيرها الى مجرد هيئة ذي طابع :

“ قضائي - إسلامي - قانوني “ , بالوقت الذي يخلع عليها الدستور وصف “المحكمة” مما يعني أنه يجب أن يكون الطابع القضائي هو الغالب و المسيطر على المحكمة , لذا يجب حصر عدد خبراء الفقه الاسلامي على (2) من المكونين الدينيين الأساسيين للشعب العراقي , و فقيه قانوني واحد (1) تتوافق الكتل السياسية عليه , لان المهارات القانونية هي أصلاً متوفرة عند القضاة و هو عدد يكفي لبيان وجهة نظر الفقه الدستوري بشأن الموضوع محل النزاع ليكون نافذة للاستفادة من مستحدثات الفقه الدستوري.

أما من ناحية طريقة اختيارهم , فان مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا اتبع طريقة ترشيح خبراء الفقه الاسلامي عن طريق الوقفين الشيعي و السنّي و هي طريقة شعبوية لا يمكن التسليم , و يجب البحث عن آلية جديدة تضمن حياديتهم و أعلميتهم في اختصاص الفقه الاسلامي عند اختيارهم لأجل إبعاد المحكمة من المحاصصة السياسية العراقية المدمرة لكل قيم الإنسان , لأن هذين الوقفين هما تابعين للحكومة و خاضعين للمحاصصة بشكل تفصيلي, كما أنهما قد طالهما الفساد المالي و الاداري و ملفات فسادهما في هيأة النزاهة تثبت ذلك , إضافة الى أن هذين الوقفين مختصين بإدارة أموال الوقف و لا علاقة لهما بالفقه الإسلامي و البحث فيه و تطويره. لذا فان هذا المقترح مرفوض تماماً .. و الآلية العقلانية هو اختيارهم من أساتذة الشريعة في كليات القانون أو كليات الشريعة في وزارة التعليم و البحث العلمي ممن هم ضالعون في البحث و التأليف و التدريس و ليس لهم نشاط سياسي أو إداري و هم كثيرون . أما الكليات الإسلامية التابعة لهذين الوقفين فانها كليات مستحدثة , بينما كليات الشريعة التابعة لوزارة التعليم العالي و البحث العلمي هي كليات عريقة و عمر هذه الكليات بعمر الدولة العراقية .

و بقي أمر أخير خاضع للنقاش و هو طريقة عمل خبراء الفقه الإسلامي و فقهاء القانون في داخل المحكمة الاتحادية العليا فيكفي مقترح مجلس القضاء الأعلى في تنظيم عملهم داخل المحكمة الاتحادية العليا , من أن خبراء الفقه الإسلامي يختصون بمدى دستورية القوانين المتعارضة مع ثوابت أحكام الإسلام ، إذ لا يجوز سن قانون يخالف ذلك بموجب المادة (2/أ) من الدستور , و يختص الفقيه القانوني بمدى دستورية القوانين المتعارضة مع مبادئ الديمقراطية بموجب المادة (2/ب) , على اعتبار أن رغبة واضعي الدستور بشأن وجود خبراء الفقه الإسلامي و فقهاء القانون في المحكمة الاتحادية العليا تتمركز حول ايجاد ضمانة في عدم خرق التشريع المراد فحص دستوريته للمبادئ المذكورة في المادة (2) من الدستور. هذا من ناحية اختصاصهم في داخل المحكمة .

أما من ناحية تنظيم هذه الاختصاصات في داخل المحكمة الاتحادية العليا فيمكن الاستفادة من التجربة الدولة الألمانية , إذ يحدد الدستور الألماني عام 1949 المعدل عام 2012 في مادته (94) مكونات المحكمة الدستورية الألمانية , فهي تتشكل من هيئتين قضائيتين وستة غرف متخصصة. وهذا التشكيل من شأن المحكمة نفسها طبقا لنظام عملها ويمكنها تغييره. ويمكن وصف الهيئة القضائية الأولى فيها بأنها ترعى القوانين الأساسية للدولة الألمانية , و الهيئة القضائية الثانية تختص بالقانون الدولي و الاتفاقيات الدولية المراد تطبيقها في أراضي الدولة الألمانية .

و من هنا, يمكن تشكيل المحكمة الاتحادية العليا العراقية من هيئة قضائية واحد و غرفتين تابعتين لهما , الهيئة القضائية تتكون من القضاة , و غرفة خبراء الفقه الإسلامي تشترك في عضوية المحكمة في الدعاوى المتعلقة بدستورية القوانين التي تتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام , و الغرفة الثانية تتكون من فقهاء القانون تشترك في عضوية المحكمة في الدعاوى المتعلقة بدستورية القوانين التي تتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

لأن الواجبات الدستورية لخبراء الفقه الإسلامي في المحكمة الاتحادية العليا منحصرة في رقابة القوانين التي تتعارض مع ثوابت الإسلام , و الواجبات الدستورية لفقهاء القانون منحصرة أيضاً في رقابة القوانين التي تتعارض مع مبادئ الديمقراطية , و لا تتعدى واجباتهما لغيرهما , فلا علاقة لهما بتفسير نصوص الدستور و لا علاقة لهما في المصادقة على نتائج الانتخابات , و لا علاقة لهما في الفصل بالنزاعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية و حكومات الإقليم و المحافظات , و لا علاقة لهما بالفصل بالتهم الموجهة لرئيس الجمهورية و رئيس الوزراء , فهذه كلها من اختصاص القضاة في المحكمة الاتحادية العليا لا من اختصاص الخبراء , فيجب أن تتناسب بشكل عادل إعداد خبراء الفقه الإسلامي و فقهاء القانون مع واجباتهم الدستورية المناط بهم , و هذه الهيكلية تحقق العدالة العددية التناسبية تماماً للخبراء مع واجباتهما الدستورية و تحفظ هيبة القضاء الدستوري و تحقق الاستقرار الوظيفي في داخل المحكمة الاتحادية العليا العراقية و تكون بحق حارساً أميناً على الإنسان العراقي من خلال حراستها للنص الدستوري و يمنع تضخمها.

نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة