.
.
.
.

الكويت والعراق.. نهاية الجروح وصفاء الروح

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

يأتي هذا المقال بعد مقالين كتبتهما عن دبلوماسية الكويت بمناسبة ثلاثينية تحرير الكويت من كارثة الغزو، الذي رسمه الجاهل صدام حسين ضد الكويت، متصوراً بأنه سيتمكن من البقاء فيها لكي يضمن مكاناً في تاريخ اللامعقول العراقي، ولم يجرؤ أحد من كبار الحزب الفاشستي البعثي أن يشرح له الأهوال التي تحل بالعراق، فالجميع، كما تابعنا من أشرطة الإعلام، منتشون بأوهام الفوز، والجميع من الذين كانوا في صدارة الدفاع عن المأساة مبهورون بعبقرية صدام وبشجاعته وبحكمة تحليلاته، والجميع مسحورون بحجم القناعة التي ستعود عليه وعلى خزينة القيادة في بغداد.
ومع الغزو تبخرت أخلاقيات العمل العربي المشترك وتلاشت مصداقيته وانهارت رابطة الجوار ومعاني النيات الحسنة، ومن عطايا الغزو انتقال الكويت من واحة الاطمئنان إلى بقع الحذر، ومن الإيمان بعفوية التآخي إلى تشييد ماكينات الردع بتوسيع الشراكة المصيرية مع حلفاء المصالح وأصدقاء الشدة.

ومن المنطق، بعد أن اكتمل البناءالأمني الكويتي - السعودي كما رسمت أساسياته مع تجربة التحرير ودور المملكة العربية السعودية في ضمان سلامة مجلس التعاون، أن يتم التحضير لبناء علاقات كويتية - عراقية تختلف عن المحتوى الذي كان سائداً من 1961 حتى عام 1990، لا سيما بعد اكتمال الجدار الكويتي الأمني الصلب.

وأبدي بعض الملاحظات:

أولاً: إن الدبلوماسية الكويتية أكدت النيات الحسنة والصادقة، بالإبحار في العلاقات في مختلف المسارات، وفق مفهوم حدده المرحوم الشيخ صباح الأحمد، طيب الله ثراه، وتبنى فيه الوجود الكويتي داخل ورش إعادة إعمار العراق، كما استضاف المؤتمر الخاص به، وكان التأخير يأتي من واقع العراق بعد انهيار نظام صدام حسين وذهاب آليات القمع والإرهاب وخلايا الحزب ومخابراته، وتحرر مختلف الطوائف العراقية من قبضة الموت والتنكيل، مع محاولات إزالة آثار السلاح الكيماوي.

ثانياً: ما زال العراق في خضم الحوارات الداخلية بين مختلف الفلسفات والتوجهات يسعى إلى التفاهم الوطني وسط تجمعات مسلحة تفرض أهدافها بالقوة إذا لم تنلها بالرضا، كما طغت على أوضاعه تعارضات أيديولوجية وطائفية وعرقية، واتساع مسافات عدم الثقة بين الأطراف، فضلاً عن الثقل الإيراني المسلح الذي وظف الظلم والتنكيل اللذين تعرض لهما أبناء الشيعة من مخابرات البعث، لكي يعمّق جذوره داخل التربة العراقية، مع تجنيد الأراضي العراقية لخدمة أهداف إيران في سوريا ولبنان وغزة، وامتداد تخريباتها إلى اليمن وتدخلاتها في المملكة وبقية مناطق الخليج.

ثالثاً: تحاول حكومة العراق وبرلمان الشرعية ورئيس الجمهوية، فالكل يسعى إلى التهدئة، لكن الاستقرار لا يتحقق دون توافق عراقي داخلي يضع المصالح العراقية العليا فوق واجبات الطائفة والقبيلة، وتزداد حدة المشاعر المتنافرة مع غريزة الانتقام وخطوات التصفية.

من يقرأ تجارب الشعوب مع الحروب، فربما يتفهم الحالة العراقية، فالحرب تبدل كل شيء والتعافي منها يأخذ عقوداً قبل أن تهدأ، روسيا لم تهدأ منذ الحرب العالمية الأولى وسقوط القياصرة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وألمانيا اليوم غير ما كانت، هناك قيود على قواتها المحصورة في الناتو، وفرنسا حتى الآن لم تتجاوز حساسيتها مع ألمانيا، وكان الرئيسان «بومبيدو» و«ميتران» معارضين للوحدة الألمانية، ومصر اليوم غير مصر الناصرية.

رابعاً: ومع كل ذلك جاء الرئيس الأميركي بايدن يفتح باب الأمل لمستقبل العراق، فعودة الولايات المتحدة إلى تجمع مراقبة أسلحة إيران النووية وإعادة النشاط إلى الحوار بين المجموعة (خمسة + واحد) وإيران، سيتناول السلوك الإيراني في المنطقة، وعلى الأخص في العراق، فدور الميليشيات الإيرانية في العراق من أبرز مسببات الفوضى مع غياب الاستقرار، وفي هذا المجال تظهر الحاجة إلى مقام مجلس التعاون في تبني جهود جماعية لتطويق النفوذ الإيراني في العراق، وبما يساعد قيام العراق الجديد المتفاهم مع الجيران، وفق قواعد حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل وتبني النهج السلمي والإصلاحي من دون راديكاليات وأجندات تندفع من خيال واهم، ومشاركة الجهود العراقية لكي يلتئم شعب العراق في إطار فدرالية حقيقية لا تسمح لمكون واحد احتكار السلطة ليسير العراق وفق غاياته.

خامساً: فيما يتعلق بالجانب الثنائي الكويتي - العراقي هناك واجبات التنسيق بين البلدين عبر مشاورات حول المشاريع الكويتية - العراقية في منطقة خور عبدالله، الذي يشهد تشييد ميناء مبارك الكويتي وميناء الفاو العراقي، مع حتمية التشاور في تحقيق الفائدة المشتركة، فغياب ذلك التنسيق يولد سوء الفهم ويدفع نحو سوء التفسير، فضلاً عن دور المشاريع المشتركة في بناء التفاهم وغرس الثقة وحسن استعمال الإمكانات المادية والمالية التي يملكها البلدان لأهداف التنمية.

سادساً: لا تخفى حقائق الخليج عن المسؤولين في العراق في انعدام الثقة بالنظام العراقي السابق، فقد كان الحذر حاضراً على الدوام، والآن تقع المسؤولية المستقبلية على حكومة العراق في التوجه نحو الخليج، الذي يتقبل ما يمكن أن يأتي من العراق الجديد، خصوصاً إذا كان بمباركة كويتية.

ولا يغيب عن بال رئيس الوزراء العراقي الحالي، السيد الكاظمي، ما يمكن أن تقدمه المملكة العربية السعودية من دعم للدبلوماسية العراقية تأخذها إلى منصات عالمية سياسية واقتصادية وتنموية، لما لها من دور في تجميل الواقع السياسي العراقي الداخلي، الذي لا يستغني عن تعاطف عالمي لأهدافه في بناء الدولة العراقية الحديثة المتشوقة للانضمام إلى لائحة الإيجابيين المساهمين في رخاء العالم وفي استقراره والتفاعل مع شروطه.

سابعاً: أشير إلى أن أخطر مخلفات الغزو جاءت في تضاؤل الثقة في أدبيات حسن الجوار التي كانت تملأ فضاء البلدين، فلا مفر من التنقيب الجدي عما يريح لتستوعبه، وعما يزعج لكي تبعده، مع ترجمة فعلية وواقعية لمعاني حسن الجوار كما يفهمها العالم، وليس من السهل العبور بكل بساطة على وقائع مؤلمة، من بينها تجميلات عراقية من صدام حسين وزمرته لدور أمير الكويت المرحوم الشيخ جابر الأحمد الصباح في نصرة العراق، مرفقة مع أعلى الأوسمة في احتفالات زينتها قصائد الشعر والثناء.

ولأننا من المتابعين لما يدور في العراق من اضطراب أمني وتشنج سياسي وارتباك بين التجمعات السياسية، نقدر ظروف المسؤولين في العراق في اختيار أولوياتهم، لكن رغبتنا في إعادة أجواء الارتياح والثقة تدفع لإبراز ضرورات الانسجام والتعاون في مشاريع تنموية مشتركة يتحفز القطاع الكويتي الخاص للوجود فيها.

ثامناً: نعرف من تجارب الشعوب أن تجاوز إهانات وإذلال الاحتلال ليس سهلاً، لكن حتمية التطور والتلويح بخطوات عراقية تؤسس لتقليص آثار الصدمة، لا شك ستساعد في ولادة البيئة الطبيعية التي يجب أن تتميز فيها العلاقات بين البلدين، التي لم تنعم بالهدوء ولا بالارتياح منذ تحطيم العرش الهاشمي عام 1958، ومنها حل التوجس مكان التناغم، والشك محل اليقين، والابتزاز بديل التفاهم، وجاء التآمر مع الغزو ليدمر كل شيء، والآن نحن في مراحل الاستعداد للانطلاق في فصل الترابط والتكامل في مسارات البناء التنموي النهضوي.

تاسعاً: جاء الغزو الأميركي للعراق في 2003، لينهي فصلاً كئيباً في تاريخ العراق كانت تقاسيمه غياب الاستقرار وتصاعد التآمرات بين مختلف الفئات نحو السلطة، فتم إعدام قاسم، وسقطت طائرة عارف بظروف غريبة وتم إبعاد أخيه بانقلاب بعثي، وأعدم زعيمه في 2006، وإذا تبدلت مفاهيمنا في الكويت، فإن المشهد العراقي الحالي يؤشر إلى فدرالية عراقية واسعة، في شمالها حق الشعب الكردي في ممارسة خصوصياته، وحق الطائفة الشيعية بنيل حقوقها السياسية والشخصية بكامل الحرية في مواقع تجمعاتها، فلم ينصفها أي نظام منذ استقلال العراق 1920، وحق السنة في إدارة شؤونهم وفق تراثهم، مع انتهاء احتكار الحكم الذي تمتع به السنة من فيصل الأول.

في مقابلة مع جنرال عراقي سني أجاب عن عدد الجنرالات الشيعة في عهد صدام قائلاً عددهم أربعة من بين 64 جنرالاً في الجيش العراقي، بما يؤكد انحسار الثقة تماماً... وتبقى حقيقة حوار الكويت والعراق عودة الروح ونهاية الجروح.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة