.
.
.
.

تركيا والعرب: "الصفر" والعقائد!

محمد قواص

نشر في: آخر تحديث:

لا شيء تغير في السياسة الخارجية لمصر والسعودية والإمارات يبرر اندفاعة تركيا المعلنة لفتح صفحة جديدة مع الدول الثلاث. ولا شيء في سلوك تركيا خلال السنوات الأخيرة يحفز العواصم العربية الثلاث على الثقة باستفاقة أنقرة على ضرورات التوافق والصلح معها. وإذا ما كان من تغير ما قد حصل فعلاً، فهو لدى الجانب التركي، بحيث يدفع الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع خلوصي آكار إلى إعلان اكتشاف خصال البلدان الثلاثة.

وفق عقيدة المصالح عمل حزب "العدالة والتنمية" عند دخوله أبواب السلطة عام 2002 على تأسيس علاقات تركيا مع العالم القريب والبعيد على قاعدة "صفر مشاكل". ورد هذا المفهوم في كتاب أحمد داود أوغلو، "العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية"، الصادر عام 2001. بدا أن إطلالة الإسلام السياسي التركي الجديد (الوريث للنسخة التي كان يمثلها نجم الدين أربكان) على المنطقة والعالم، تحتاج إلى مرونة في التعامل مع أرمينيا وأوروبا ومنظومات الشرق والغرب، وإلى تطوير لعلاقات البلد مع المحيط العربي، لا سيما مع البلدان الحدودية المباشرة.

بيد أن عقيدة المصالح نفسها أسقطت النظرية الصفرية وأبعدت صاحبها عن الحزب والحكم والرئيس. سقطت نظرية داود أوغلو من دون أن يسقط كتابه. ما زال أردوغان يؤمن بـ "العمق الاستراتيجي" لتركيا، لكنه لم يعد يجد في "الصفر" الشهير وسيلة فعالة للسيطرة عليه.
ساعدت الولايات المتحدة وبعض المنظومة الغربية أردوغان في إسقاط "صفره". صدر عن واشنطن وبعض العواصم الأوروبية بعد اندلاع "الربيع العربي" ما يبشّر بحكم إسلامي وفق النموذج التركي. رعت إدارة باراك أوباما تشجيع التيارات "الإخوانية" في المنطقة لتكون بديلاً من الأنظمة المترنحة. ذهب أردوغان إلى مصر يبشر بالعلمانية التي تطرب لها آذان العواصم الكبرى، فيما بدت رعايته هجومية عدائية لمصلحة التيارات الدينية في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا.

تعامل أردوغان مع المنطقة العربية بصفتها حقاً تركياً ينهل مشروعيته من التاريخ العثماني القديم. ظهر أن "العمق الاستراتيجي" لتركيا يستحق من أنقرة تمارين تجريبية تصادق وتعادي نظام دمشق، مثلاً، وفق موقع "الصفر" وغيابه في خريطة المصالح. شنّ أردوغان حملة ضد بغداد في عهد نوري المالكي وتراجع عنها، واقترب من طهران وفق إيقاعات ارتجالية ماكيافيلية يعوزها منطق الدول الكبيرة. خاضت تركيا في عهده معارك عسكرية مباشرة في العراق وسوريا وليبيا، ومعارك دبلوماسية شرسة ضد السعودية والإمارات ومصر. وبدا في كل تلك المعارك استخفاف بقواعد منطقة خرجت نهائياً من تحت العباءة العثمانية منذ أكثر من قرن.

سعى الرئيس التركي إلى تعزيز حكمه في الداخل. أفشل محاولة انقلابية عام 2016 ما زال يجابهها حتى اليوم، ومرر تعديلات دستورية عام 2017 تعزز من صلاحيات منصبه على رأس الدولة. عمل على التحاذق بين روسيا والولايات المتحدة مستغلاً ضبابية موقف دونالد ترامب وغموض استراتيجيات واشنطن. صعّد تمارينه العدائية ضد الاتحاد الأوروبي، لا سيما فرنسا واليونان وقبرص، وراح في شرق المتوسط يمارس إبحاراً مضاداً لتعطيل خطوط ما يرسم لسوق الطاقة في تلك المنطقة.

بيد أن تركيا تستفيق على نتائج قاتمة لامتحاناتها. خسرت أنقرة معاركها مع الجميع. بات "حكم الإخوان" للمنطقة وهماً مندثراً وحصاناً سقط الرهان عليه. خسر أردوغان صولاته وجولاته في مياه المتوسط وبات مستعداً لفتح صفحة جديدة مع أوروبا والتفاوض مع اليونان وقبرص. خسر حليفه حسن البشير في السودان، وخسر رهانه على حكم ليبيا وباتت ضغوط الاقتصاد في الداخل موجعة تدفع بسؤال الأتراك في الداخل عما تفعله تركيا في الخارج.

فقد أردوغان تلك الرمادية الخلاقة في واشنطن. ما زال الرئيس التركي ينتظر مكالمة الرئيس جو بايدن التي لا تأتي. والمسألة لا تتعلق فقط بعداء الرئيس الديموقراطي الجديد، بل بمزاج أميركي عام لم يستسغ مناورات أردوغان وبهلوانية مواقفه داخل معسكر الحلفاء والتي قد لا تختلف في خبثها عن مواقف إيران وهي في معسكر الخصوم. قرأ أردوغان التحولات القريبة والبعيدة جيداً، وأسقط من حساباته إمكان التعويل على تحولات لاحقة، فكان لا بد من الالتفاف في كل ميادين المصالح التركية بما في ذلك مستقبل العلاقة مع العرب.

لا يمكن لعلاقات سليمة بين الدول أن تقتصر على التبادلات الاقتصادية فتلك سمة نفعية لا تؤسس لتماس سليم. ولا يمكن أن يكون التواصل المخابراتي سبيلاً ناضجاً لتعزيز شبكات المصالح بين العواصم. كما أنه لا يمكن للتصريحات الودودة أن تطوي صفحة سوداء وتفتح صفحة جديدة بيضاء. ولا يمكن لعلاقات تركيا مع العالم، خصوصاً مع العالم العربي، أن تقودها مزاجيات تحدد موقع "الصفر" وغيابه في اكتشاف أو إغفال "تاريخية" العلاقة مع مصر والسعودية والإمارات.

سعت تركيا في رعايتها ودعمها للإسلام السياسي إلى تقويض أنظمة الحكم في المنطقة. عملت أنقرة بالدعم والتمويل والتسليح على مدّ هذه الجماعات بوسائل مهددة لأمن هذه الدول واستقرارها ومصالحها. تستضيف تركيا شخصيات ومؤسسات تستخدم منابر لشن هجمات ضد الدول الثلاث، ناهيك بأن الموقف الرسمي التركي لطالما كان متقدماً على تلك المنابر في العداء لتلك الدول، على النحو الذي لا يساعد على قلب الصفحة بين ليلة وضحاها.

لم تعتدِ مصر على مصالح تركيا في ورشتها لترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان، ذلك أن لا عقائد لمصر ضد تركيا ولا خطط للتدخل في شؤون هذا البلد والنيل من نظامه. عملت السعودية والإمارات على انتهاج خيارات دفاعية حين قررت أنقرة الانخراط في شؤون الخليج وإرسال قوات عسكرية إلى داخل البيت الخليجي أثناء الأزمة مع قطر.

لن ترد الدول الثلاث، وإن أبدت حذراً مشروعاً، طلب الودّ الذي ترسله تركيا هذه الأيام. بيد أنه من الصعب الثقة بمناورة أنقرة الجديدة، ذلك أن مقاربتها لهذه الدول لا تتأسس على المصالح بالمعنى الذي تفهمه القاهرة والرياض وأبو ظبي، بل على موقع هذه الدول في الخريطة العقائدية لأردوغان وحزبه. فإذا ما كانت تلك العواصم تريد موقفاً تركياً حاسماً واضحاً من جماعات تعتبرها إرهابية، فإن شرعية الحكم الراهن في تركيا تستند الى عقيدة هذه الجماعات وليس الى نقيضها.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.