.
.
.
.

الناطق باسم «حزب الله»: «نحن إيران في لبنان!» (2- 2)

خليل علي حيدر

نشر في: آخر تحديث:

يتساءل بعضهم: بأي عين كان د. رفعت سيد أحمد سينظر إلى أحد الإسلاميين المصريين أو غيرهم لو قال في مقابلة صحافية في الأهرام مثلا «نحن لا نقول إننا جزء من إيران نحن إيران في مصر، ومصر في إيران؟»، وقد يتساءل آخرون: أليس في تصريح بهذه القوة إحراج للطائفة في لبنان مثلاً؟ فمن يتحمل مسؤولية الإساءة لها؟
في رسالة حزب الله التأسيسية 16/2/1985، الموجهة الى المستضعفين في لبنان والعالم والمصوغة بمفردات جهادية طوباوية في (26) صفحة، تحدد هوية حزب الله وماهيته، بالقول: "إننا أبناء أمة حزب الله نعتبر أنفسنا جزءا من أمة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضرا بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله، مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة".
لا إشارة هنا مثلا إلى تطور الكيان اللبناني وتطور مجتمعه وطوائفه ونواحي النجاح والفشل في تجاربه رغم أهمية كل ذلك لحزب يقترح مسيرة جديدة، بل يناقض البيان نفسه بين التوجه نحو فرض النظام الإسلامي على لبنان بأحزابه وطوائفه وبين إفساح المجال للشعب اللبناني لاختيار النظام، تقول الرسالة: "إننا ندعو إلى اعتماد النظام الإسلامي على قاعدة الاختيار الحر والمباشر من قبل الناس لا على قاعدة الفرض بالقوة". غير أن الحزب يبين بوضوح موقفه مسبقا من هذا الاستفتاء بقوله "نحن لا نعتبر أنفسنا جزءا منفصلا عن الثورة في إيران بل نعتبر أنفسنا جزءا من الجيش الذي يريد الإمام تشكيله من أجل تحرير القدس، ونأتمر بأوامره".
ويبدو أن حزب الله أو مؤسسيه كانوا يعرفون مقدما نتائج الاستفتاء، ولا شك أن الحزب تعمد الغموض في توضيح خطواته القادمة أسوة بما فعلته القيادات الإسلامية في الثورة، أي المجاهرة بالقالب الجمهوري، وعدم التركيز على الدكتاتورية الإسلامية الشيعية باسم ولاية الفقيه الشاملة، ولطمأنة الناس في لبنان شرح حزب الله رؤيته للساحة اللبنانية، مؤكداً أنه لا يطرح إقامة جمهورية إسلامية في لبنان ولا يملك مشروعات بهذا المعنى.
زيادة في التوضيح قدم الناطق باسم الحزب أمين السيد مشروعا أشد غموضا هو أن "تصبح المنطقة أمة"، وأوضح أن المقصود بالمنطقة منطقة الشرق الأوسط، فبهذه التوسعة للمفهوم يصبح لبنان جزءا من مشروع الأمة في منطقة الشرق الأوسط، ملتصقا من خلال المنطقة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية". (انظر المرجع نفسه ص 1993).
ويستوقف القارئ هنا عدم اكتراث حزب الله بالنظرة السلبية التي أحاطت دائما بمصطلح الشرق الأوسط، وبخاصة في أوساط الحركة الإسلامية، حيث كان المصطلح فيما يرونه شعارا استعماريا قصد به التشويش على الوحدة العربية أو الإسلامية، وتقول بعض الموسوعات إن "الدول الكبرى تتنافس للسيطرة وبسط نفوذها عليه بعد اكتشاف النفط في شبه جزيرة العرب والعراق وإيران ودول الخليج وليبيا والجزائر".
(الموسوعة العربية الميسرة بيروت 2001، ص1463)
يؤرخ حزب الله اللبناني لنشأته عام 1982 مع أول عملية استشهادية قام بها أحمد قصير ضد مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور مع أن البيان الرسمي لقيام الحزب لم يعلن إلا في 16/ 2/ 1985، في ذكرى اغتيال الشيخ راغب حرب الأولى على يد القوات الإسرائيلية، وكان تدريب المقاومين على استعمال السلاح وحرب العصابات على يد حرس الثورة الإيرانية في البقاع.
أعلن حزب الله أن الهدف من قيامه وتأسيسه محاربة إسرائيل، وقد أعلن السيد حسن نصرالله في أوج الحرب الأهلية أن حزب الله مستعد لمغادرة المسرح المحلي "إذا ترك لمجابهة إسرائيل".
(صحيفة حزب الله الرسمية "العهد"، 11/ 7/ 1985، انظر الحركات الإسلامية ورقة د.عبدالغني عماد)
ولكن مع الوقت لم يعد عمل الحزب مقتصرا على مقاومة الاحتلال كهدف حصري، فالحزب كما يقول د.عماد كان يحمل مشروعا متكاملا ينطلق من رؤيته الإسلامية للعمل على الساحة اللبنانية، وكان فوق ذلك كله يرتبط عضويا بمصالح وسياسات إيران، وقد تجلى ذلك في اشتراكه خصوصا في حروب سورية والدفاع عن النظام في مراحل لاحقة.
تبنى حزب الله مسؤوليات كبيرة إزاء لبنان والقضية الفلسطينية والطائفة الشيعية في كتابابته وبياناته، إلا أنه نادرا ما حرص على إبداء استقلاله عن السياسة الإيرانية، فقد نظر إلى قيادة الجمهورية الإسلامية على الدوام نظرة تبجيل وتقديس وتابعية مطلقة وما من مرة يقابل فيها الأمين العام للحزب مرشد الثورة الإيرانية إلا ويبادر بإظهار كل آيات الإجلال وتقبيل اليد، وللناطق باسم حزب الله تصريح بالغ القوة والدلالة في بيان مدى الارتباط بإيران.
وقد ورد على لسان إبراهيم السيد في مقابلة صحافية، حيث قال في وصف طبيعة العلاقة مع إيران والانصهار فيها: "نحن لا نقول إننا جزء من إيران نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران". (الحركات الإسلامية ص 1393عن جريدة النهار 5/ 3/ 1987).
فأي إعلان هوية أقوى من هذا التشخيص؟
نتساءل في النهاية بأي عين كان د.رفعت سيد أحمد سينظر إلى أحد الإسلاميين المصريين أو غيرهم لو قال في مقابلة صحافية في الأهرام مثلا "نحن لا نقول إننا جزء من إيران نحن إيران في مصر، ومصر في إيران؟". كما قد يتساءل آخرون: أليس في تصريح بهذه القوة إحراج للطائفة في لبنان مثلاً؟ فمن يتحمل مسؤولية الإساءة لها؟

نقلا عن الجريدة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة