.
.
.
.

عيد تونس والعداء للدولة الوطنية

الحبيب الأسود

نشر في: آخر تحديث:

استغرب أغلب التونسيين تجاهل سلطات بلادهم لعيد الاستقلال الخامس والستين الذي يوافق العشرين من مارس كل عام، حيث لم ينتظم أي موكب رسمي بالمناسبة، والرئيس لم يوجه كلمة لتهنئة الشعب والتذكير بقيمة الذكرى وببطولات صانعي الاستقلال من شهداء ضحوا بأرواحهم ودمائهم وزعماء كبار قادوا معركة التحرر من الاستعمار وبناء الدولة الوطنية وعلى رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة.
شوارع تونس وساحاتها خلت من معالم الزينة، فلا أعلام رفعت، ولا لافتات عُلقت، ولا ندوات انعقدت، وحتى مجلس النواب اكتفى ببيان يتيم صادر عن رئاسته يرى البعض أنه جاء من باب المجاملات التي تصب في إطار مساعي راشد الغنوشي لاسترضاء جانب من الدستوريين البورقيبيين وأنصار النظام السابق والتقرب منهم لقطع الطريق أمام إمكانية انجذابهم إلى عدوته اللدود عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر المعارض الطرف السياسي الوحيد الذي احتفى بالذكرى من خلال تجمع شعبي كبير نظمه بمدينة صفاقس.
تواجه تونس حالة من النكران الرسمي لتاريخها المعاصر، ومن تشكيك في رموزها التاريخيين، ومن محاولات متعمدة للإساءة إلى الدولة الوطنية وبناتها، بل ولهدمها من الأساس من قبل أصحاب الأيديولوجيات المستوردة والمشاريع العابرة للحدود، وفي مناسبات عدة تعرض بورقيبة إلى التكفير والتخوين، ووصل الأمر إلى التشكيك في الاستقلال نفسه، وفي اتهام قادة الحركة الوطنية وبناة دولة الاستقلال بالتبعية التامة لفرنسا، فقط لأن من جاؤوا بعد 2011 وفي مقدمتهم جماعة الإخوان يعملون على توجيه البلاد إلى التبعية الكاملة للفلك الأميركي، من منطلق الرغبة في الاستقواء بواشنطن ضد باريس التي يتهمونها بمعاداة الإسلام السياسي.
وتم الدفع بهيئة الحقيقة والكرامة إلى إعادة كتابة التاريخ بمنطق التشفي وتصفية الحسابات ضد بورقيبة والدولة الوطنية واعتبار التآمر عليهما نضالا في سبيل الحرية والديمقراطية مع تجاهل متعمد للإرهاب ومحاولات إسقاط النظام بقوة السلاح، وكان واضحا أن الأمر مقصود منذ أن جيء بسيدة معارضة لبورقيبة وبن علي لرئاسة الهيئة، ومنذ أن تحولت الجلسات المفتوحة إلى منطلقات للإدانة بالاعتماد على شهادات خصوم سياسيين مشكوك في صدقيتهم، ليصدر بعد ذلك تقرير مثير للجدل قام بتبييض جرائم وتزييف وقائع وإدانة مناطق بعينها، وبالانقلاب على الحقيقة والمساس من كرامة الدولة وهتك عرض التاريخ.
وعلى امتداد عشر سنوات جيّر الإخوان وحلفاؤهم العقائديون مختلف المنابر والمنصات لجلد الدولة الوطنية والإساءة المتعمدة للحبيب بورقيبة، فوصفوه بالخائن والعميل والكافر وعدو العروبة والإسلام والمبدد لثروات البلاد وسعوا إلى التشكيك في نضالاته وبطولاته ومشروعه الوطني، وإلى نسف كل إنجازاته الحضارية المدنية، وخططوا لتشويه صورته في عيون الشباب، ومسح اسمه من ذاكرة الأطفال واعتبار الدفاع عنه وعن منجزاته فاشية لا بد من مقاومتها.
يعتبر الإخوان أن بورقيبة هو العدو التاريخي لمشروعهم منذ أن أصر بعد شهرين من استقلال البلاد في 20 مارس 1956 على حل وتصفية الأوقاف والذي أدى إلى إدماجها في أملاك الدولة وتوحيد الهيكلة الاقتصادية العامة والقطع مع مظاهر الفساد التي كانت تنخر مجالات التصرف في زهاء 30 ألف عقار، ثم وبعد شهر واحد على إصدار قانون الأحوال الشخصية، حيث أعطى للنساء حرية لا يريدونها أن تتحقق، فنظروا لذلك على أنه كفر وخروج عن الشريعة، وأدركوا بعد 2011 أن حقوق المرأة كانت اللغم المتفجر الذي وضعه بورقيبة في طريق أية محاولة من قبلهم للانقلاب على النموذج المجتمعي الذي كرسته دولة الاستقلال.

وينظر الإخوان إلى بورقيبة على أنه عدو لمشروعهم بسبب إقدامه على توحيد القضاء في إطار مدني وإلغاء المحاكم الشرعية وفق القانون الصادر رسميا في ديسمبر 1956، ثم توحيد التعليم والذي لم يمنع التعليم الديني كما يزعمون، وإنما تم منع ازدواجية البرامج في اتجاه توحيدها وتحديثها في إطار تعليم حكومي.
لا يكتفي الإخوان بتخوين بورقيبة وإنما عملوا على تكفيره وتكفير مشروعه وتكفير نظامه ومن يتبنون رؤيته أو من يدافعون عنه، وعندما توفي الزعيم التاريخي لتونس في أبريل 2000 رفض الغنوشي الترحم عليه، ومنذ سنوات اتجه لمحاولة الاستثمار فيه وفق سياق سياسي هدفه البحث عن سبيل لاستدراج أنصار النظام السابق للتحالف معه مع استمرار الإخوان في تعبئة أنصارهم وفق سياق معاد للدولة الوطنية ورموزها.
يمكن التأكد من عداء الإسلاميين للدولة الوطنية ولبورقيبة من خلال امتناع البلديات، وأغلبها تحت قيادة حركة النهضة، عن إحياء عيد الاستقلال ولو برفع الأعلام الوطنية، بينما احتفل “غوغل” بالذكرى ورفع علم تونس على موقعه.
أما الرئيس قيس سعيد فكان من المثير أن يتلقى التهاني بالعيد من كل قادة وزعماء العالم دون أن يهنئ بدوره الشعب ليضع نفسه في موقف لا يحسد عليه، وهو المؤتمن على الدولة ووحدتها وتاريخها ودستورها وثوابتها، فهل يعني موقفه ذاك أنه لا يعترف بالاستقلال؟ أم أنه لا يريد استعادة سيرة من ضحوا في سبيله؟ أم أنه يراهن على تكريس شعبيته بين المعادين للدولة الوطنية أكثر من الموالين لها؟
يمكن فهم أن سعيد لم ينظم موكبا رسميا للاحتفال بالذكرى حتى لا يضطر لاستدعاء من يتواجه معهم في صراع سياسي محتدم، ولكن كلمة على شاشة التلفزيون العمومي لم تكن صعبة عليه وعلى موقعه وهو الذي عرف عنه إقدامه الدائم على الحديث بمناسبة وبغير مناسبة.
لكن يبدو، والله أعلم، أن هناك حالة انقلابية عامة على الدولة الوطنية، حيث يبدو أن مواقع القرار تعج بالمعادين لها أكثر من المؤمنين بها، فلك الله يا تونس.

نقلا عن العرب

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.