.
.
.
.

صندوق مياه للأجيال القادمة!

حمزة عليان

نشر في: آخر تحديث:

الذين يحلو لهم "التهويل" والتخويف من كارثة قادمة لديهم حجة مقنعة: تخيلوا ولو ليوم واحد العيش بدون مياه! ماذا سيحل بكم؟ وإن لم يعجبكم هذا السيناريو، فسنطرح عليكم سؤالاً آخر: إذا جاء آخر الشهر ودخل بيتكم أو شركتكم موظف تحصيل المياه، أو وصلتكم رسالة عبر الإنترنت: عليكم أن تدفعوا فاتورة الاستهلاك الشهرية 600 دينار بدلاً من 60 فماذا سيكون ردة فعلكم تجاه هذا الطلب؟
أغلب الظن أن تلك السيناريوهات من وحي الخيال، فالناس بالعموم لم تعان نقصا في المياه لذلك لن تحتاج إلى مثل تلك السيناريوهات، السبب أن الدولة تدعم المياه ضمن فاتورة الدعوم بنسبة 92% والمستهلك يتحمل جزءا بسيطا أقل من فاتورة الهاتف.
الغريب أن "الكارثة" التي يتوقعونها لم تأت بعد وربما لن تأتي بالأصل، وإن كانت توقعات الخبراء تؤكد أن المنطقة الخليجية والعربية ستواجه "مصيراً أسود" بعد 15 سنة قادمة، ربما كان تحذير الأمم المتحدة للكويت يصب في هذا الاتجاه بقولها: "شعبكم يستهلك المياه بشكل قياسي!"، طبعاً هناك فرق شاسع بين الإسراف والتبذير بالمياه وبين "ندرتها"؟ هؤلاء يقرعون الجرس ويطالبون من الآن بوضع حلول واقعية وفعلية قبل أن تقع الفأس بالرأس.
إذا انتقلنا إلى تشخيص الأزمة فسنجد العديد من الدراسات والأبحاث المبنية على معلومات تفيد بأن "الأزمة" قادمة لا محالة، ومن السهل أن تجد عشرات الدراسات الصادرة عن منظمات عالمية، تلتقي عند نقطة أساسية وهي أن التغير المناخي سيؤدي إلى مشاكل في توفير المياه، إضافة إلى الزيادة الهائلة لعدد السكان والاستخدامات المرتفعة في الصناعة والزراعة.
البعض يتوقع أنه في الأعوام 2025 أو 2030 أو 2040 "ستحل الكارثة" وسيعيش نصف سكان العالم في مناطق تعاني شحا في المياه أو "ندرة" بهذا المورد، والوقوع تحت خط الفقر المائي الشديد.
الحقيقة أن المبالغة فيها قدر كبير من "التهويل"، فلم يحدث أن وقعت حرب حقيقية بسبب "ندرة" أو "شح" أو "نقص" المياه لذلك فالكلام عن "أن قطرة المياه أغلى من قطرة الدم"، صحيح من حيث ارتباط توافر المياه بالوجود وبالحياة وديمومة الإنسان والحضارات، لكن على أرض الواقع عندما كانت الأزمات تبلغ حدودها القصوى من التوتر فسرعان ما تبرد.
وإمعاناً في التهويل ذهب بعض الخبراء إلى التلويح بنشوب حرب مياه قادمة قد تقع بين الهند وباكستان ونزاعهما على ولاية كشمير بكونها تحوي مورد مياه ضخما جداً، أو "حرب اقتصادية" بين جورجيا وفلوريدا بسبب التنازع على مياه الأنهار!
إذا استبعدنا السيناريوهات المشؤومة يضع الدارسون جملة خيارات لمواجهة "الندرة" و"الشح" بالمياه ومنها:
1- مد خطوط أنابيب ضخمة من دول الفائض المائي إلى أخرى فقيرة.
2- جر جبال جليدية من القطب الشمالي وإذابتها وتخزينها.
3- شراء مياه ووضعها في ناقلات وتفريغها بحاويات بعرض البحر.
4– استخدام ناقلات محملة بمصانع تحلية.
5- معالجة المياه المستخدمة (مياه الصرف الصحي).
التحدي الأكبر للكويت ودول الخليج العربي يكمن في أن 95% من المياه يأتي من التحلية ومن مياه البحر! وهذا الأمر معرض لمشاكل واسعة جداً وخطيرة على الأمن المائي، لذلك يرى عدد من المهتمين بالبدائل أن "التحلية" ليست هي الحل، حتى إن كان البعض يعلن أن وزارة الكهرباء والماء وضعت "خطة مستقبلية" لتلبية احتياجات الدولة، بحيث يصل إنتاج الوزارة إلى قرابة مليار غالون إمبراطوري يومياً بحلول عام 2035!
الكويت كانت بعد الغزو 1.1 مليون نسمة تقريباً وتستهلك 150 مليون غالون باليوم، الآن بلغت 4.5 ملايين نسمة يستهلكون 500 مليون غالون، وما زال الدعم كما هو 92% تتحمله الدولة، فلا أحد مهتم بالمصير الذي ينتظره إذا بقيت الحال على ما هي عليه!
صحيح أن الكويت لديها مخزون استراتيجي وجودة مياه عالية، لكن المستقبل غامض وإن كان البعض يربط "حل الأزمة" بإنشاء "صندوق المياه للأجيال القادمة" على غرار "صندوق احتياطي الأجيال الحالي"!

نقلا عن الجريدة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.