.
.
.
.

السيادة والإدارة: قوة الدولة

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

لم تكن المرة الأولى التى يثبت فيها أن جانبًا كبيرًا من سيادة الدولة وقوتها، بل استقلالها، مرتبط إلى حد بعيد بقناة السويس. كان جنوح السفينة «إيفر جيفن» فى عرض القناة بما أدى إلى إغلاق مجرى القناة تحديًا كاملًا لمصر وللمصريين، كان رهان طيور الظلام والغربان السوداء على عجز الإدارة المصرية عن مواجهة الأزمة ومن ثم إغلاق القناة لشهور وربما إلى الأبد، على الأقل لفترة يتم خلالها إثبات عجز وفشل المصريين فى إدارة شريان الملاحة الأهم فى العالم، ويتم تدبير بديل آخر، وتتحقق مقولة أحد كتاب جماعة حسن البنا الإرهابية سنة ٢٠١٥ عن ازدواج القناة إنها هدية «لا يريدها العالم».

دعنا الآن من موقف الشامتين والحاقدين أو الممتعضين مجانًا من كل ما تقوم به مصر، هؤلاء كانوا موجودين طوال الوقت، ومثلهم يتواجدون فى كل المجتمعات تقريبا، والحقيقة أن الأزمة الأخيرة أثبتت وجود أصدقاء ومحبين لمصر كُثر فى المنطقة المحيطة بنا وفى العالم كله، فلنراهن على هؤلاء ولنحرص عليهم، أما طيور الظلام فلا يستحقون منا سوى التجاهل، ولا أريد أن أقول أكثر من ذلك.

انشغال العالم والشعور بالقلق على قناة السويس يؤكد مجددا أن قوة الدولة وسيادتها، بل وجودها ذاته، مرتبط بالقناة.. نحن نعرف ذلك جيدا، خبرناه من قبل زمن الخديو توفيق والثورة العرابية، حين سمح اللعين فرديناند ديليسبس باستخدام القناة حربيًا لصالح القوات البريطانية ضد الجيش المصرى، وكان ذلك خروجًا على دور القناة والغرض من حفرها كممر بحرى (تجارى)، ثم تكرر الأمر بعد ذلك حين أممت مصر القناة سنة ٥٦ وما جرّه علينا ذلك من العدوان الثلاثى، الذى خرجنا منه منتصرين، حيث ظلت القناة مصرية الإدارة والتشغيل، وتخلصنا من أثقال معاهدة الجلاء سنة ٥٤، ونالت مصر استقلالها بالكامل. أعرف أن هناك من ينكرون ذلك علينا إلى اليوم، ويصرون على أن تأميمها كان خطيئة، إما نكاية فى اسم ودور عبدالناصر أو نكاية فى مصر والمصريين وكراهية أى انتصار أو تقدم يحققه المصريون، ثم توالت اختبارات مصر والمصريين مع القناة فى ٦٧ ثم في٧٣ وما بعدها إلى يومنا هذا.

ما جرى الأسبوع الماضى مع اتضاح حجم أزمة السفينة الأضخم فى العالم داخل مجرى القناة وَضَع مصر كلها فى مشكلة، بدأ خبراء السوشيال ميديا فى إصدار التصريحات والأحكام النهائية بأن القناة قد لا تعود للعمل مرة ثانيةً، وتم الحديث عن قدرات ومعدات بحرية ضرورية لا تمتلكها مصر، وخبرات إدارية وعلمية ليست متوافرة لدينا، وإرادة وعزيمة لا نتمتع بها، لأن مصر بلد مترهل إداريا.. وهكذا حرب نفسية قاسية تم شنها علينا، بالضبط مثل تلك الحرب التى شُنت علينا قبل عبور نفس القناة فى السادس من أكتوبر، قالوا وقتها إن الساتر الترابى على الشاطئ الشرقى للقناة يحتاج قنبلة نووية تفوق قوة قنبلة هيروشيما مرة ونصف المرة، وبعدها يمكن للمصريين عبور القناة ويفقدون ساعتها (٨٠) ألف مقاتل على الأقل، لكن فعلها المصريون بمضخات المياه وليس بالقنبلة النووية، وتم العبور، فقدنا عشرات الشهداء فى العبور وليس (٨٠) ألفًا.

الأسبوع الماضى، كان التاريخ يعيد نفسه بصياغة أخرى وفى سياق مختلف تماما، وأثبت أبناء مصر من العاملين بالقناة جميعا أنهم أبناء أوفياء لمن انطلقوا مساء ٢٦ يوليو يتسلمون العمل فى القناة ويديرونها هم وأبناء كذلك لمن أقاموا حائط الصواريخ سنة ٧٠ على شاطئ القناة، ومَن عبروا ظافرين سنة ٧٣، وتحقق الإنجاز العظيم بتعويم السفينة الجانحة واستعادة الملاحة بعد ستة أيام فقط.. ولا عزاء لطيور الظلام.

أهم ما فى تلك الأزمة هو أن ثقتنا بأنفسنا وذاتنا الوطنية يجب أن تكون أكبر، لا تهزنا حملات الصغار والشماتة الوضيعة. كان الشاعر الفلسطينى الراحل سميح القاسم يقول حين يحتدم النقاش بيننا فى بعض القضايا المتعلقة بالسلام مع إسرائيل والقضية الفلسطينية: «عيب يا مصريين إنكم تخافوا من أى حاجة أو من أى حد، أنتم أقوى دائما». وفى أيام ثورة ٢٥ يناير، كان أجمل نداء يتردد فى الميادين «ارفع راسك فوق، إنت مصرى»، يجب أن نتذكر ونتمثل ذلك طوال الوقت ومع أى أزمة. وأتصور لو أن رئيس هيئة القناة وفريق العمل فى القناة ارتبكوا أو اهتزوا لحظة أو أنهم ألقوا أذنا لطيور الظلام، لما حققوا ذلك الإنجاز الكبير وبسرعة شديدة. باختصار وبتكرار: «ارفع راسك فوق، فوق.. إنت مصرى».

المعنى الآخر الذى يستحق أن ندرسه، أن قوة الدولة بقوة مؤسساتها، ارتفعت رقابنا عالية بين الأمم بفضل قوة ونظام العمل فى هيئة القناة.. وبفضل إنجازهم، أمكن للسيد رئيس الجمهورية أن يزور الهيئة صباح الأربعاء ويقوم بجولة بحرية فى القناة ويلتقى بفريق العمل، ثم يعقد مؤتمرا صحفيا عالميا ينصت إليه الجميع حول العالم ويتحدث بثقة وكبرياء فى معظم القضايا الحساسة.

هيئة قناة السويس واحدة من عدة هيئات ومؤسسات داخل مصر، حافظت على مستوى أداء متميز وناجح، وظلت بمنجاة من عوامل التعرية الإدارية التى أدت إلى انكشاف بعض المؤسسات فأصابها العطب البيروقراطى والترهل الإدارى، فضلًا عن عوامل التسيب الإدارى، بل الفساد أيضا.

الأسبوع الماضى كان عظيمًا فى معانيه، كان حادث جنوح السفينة مع حادث قطار سوهاج وعمارة جسر السويس.. كل حادث وقع داخل هيئة إدارية وقطاع مختلف.

جنوح السفينة، رغم خطأ قبطان السفينة الفادح، حادث استثنائى تمامًا، لكن حادث القطار متكرر، وسقوط العمارة أيضًا.

ومن اللافت أن مصر عرفت مرفق السكة الحديد فى نفس الحقبة التى تم فيها حفر قناة السويس، تشغيل القطار سبق افتتاح القناة بخمسة عشر عاما، بدأ تشغيل القطار فى ١٨٥٤ وتم افتتاح القناة سنة ١٨٦٩، وكان التنافس بينهما قائما فى كفاءة العمل والانضباط، وشعر المصريون أكثر بفائدة القطار وانضباطه، فقد كانوا يستعملونه يوميا، ونظرا لدقة مواعيده كان يقال (القطر كالبستان حد)، بينما كانت القناة تتعامل مع السفن الأجنبية ولم يكن يعمل بها المصريون إلا فى بعض الأعمال اليدوية والهامشية، لكن الإدارة والتشغيل والتعاملات كانت للأجانب، لذا لم يصل إلى عموم المصريين شىء إيجابى منها أو عنها، كانت مصدرا لآلامهم فى حفرها بالسخرة، تمت وفاة أكثر من (١٢٠) ألف عامل فى حفرها، ثم ذهبت بعد التشغيل بإدارتها وعوائدها إلى الأجانب، ثم جرى تأميمها أو تمصيرها فى يوليو١٩٥٦، وتم الحفاظ على مستواها، بل اتسع نطاق خدماتها وأمكن تعميق وتوسيع مجراها الملاحى ثم ازدواجها سنة ٢٠١٥،ب ينما كان مرفق السكك الحديدية يتراجع لأسباب عدة وعبر عقود، فتراكمت السلبيات التى نأمل أن يتم تلافيها بسرعة.

فى حالة الجنوح، أمكن للانضباط الإدارى والشعور بجسامة المسؤولية التغلب على خطأ القبطان- إلا إذا أثبت التحقيق أنه كان متعمدا، فيصير جُرمًا- وتحويله إلى إنجاز ونقطة انطلاق نحو الأمام، أما الذين استمرأوا الخطأ والاجتراء على قواعد العمل وروح القانون، فيصبح الجُرم عندهم عاديا. الموقف يلخصه تصريح سائق القطار الذى ترك الجرار يعمل فى محطة رمسيس بما أدى إلى حريق المحطة وتفحم عدد من المواطنين فى يناير ٢٠١٩. صرح السائق مهددًا حين تم إلقاء القبض عليه «مش هاشيلها لوحدى»، إنها روح التهويش والهلضمة الإدارية بتوسيع وشيوع الاتهام، فينتفى الحساب وتتراجع المحاسبة.. مَن مارس المسؤولية الإدارية، خاصة فى المواقع كثيفة العمالة، يدرك طبيعة هذه النماذج، ومن حسن الحظ أن ذلك المناخ لم يعد قائما اليوم كما كان من قبل، لكن من يعمل بتلك الروح، خاصة عند المسؤوليات الدُّنيا، يسهل عليه ارتكاب خطأ يترتب عليه إزهاق حياة الآخرين والانهيار بالمرفق الذى يعمل به.

التحدى أمامنا هو استعادة الانضباط الادارى والشعور بالمسؤولية الاجتماعية والوطنية فى كل موقع حتى تصبح كل المواقع والهيئات قناة السويس.

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.