فك الاشتباك بين نقد السلطات وإهانة السلطات
لا توجد دولة من دون سلطة , و لكن ماذا تعني السلطة غير إدارة الشأن العام ؟ و ماذا تكون إدارة الشأن العام غير التدبير حياة المجتمع ؟ ثم كيف يمكن أن تستقيم هذه السلطة من دون قوانين صريحة ملزمة يحتكم إليها المجتمع و يلجأ اليها لضبط السلطة من أن تتغول؟ فالسلطة شرٌ مطلق , و لا يوقف السلطة إلا السلطة.
من هنا يجب أن يكون البناء القانوني التي ينظم عمل السلطة بكل أصنافها لمنع شرها تجاه المواطن الذي تنازل عنها للحكام و لم يبقَ له سوى الكلمة , حرية التعبير عن الكلمة . الكلمة التي يستعملها المواطن ضد السلطة إذا ما أخلت في أداء واجباتها الدستورية و القانونية أو قصرت في تسخير إمكانيات السلطة لخدمة حياة المواطن و تأمين مستقبله , إلا أن القائمين على إدارة هذه السلطة لا يرغبون أبداً في سماع هذه الكلمة على صغرها و ضآلتها مقارنة بما يتمتعون به من القوة , فالذي لا يقبل سماع الحق فإنه أعجز عن تطبيق الحق كما في مضمون قول أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) , فيحصل اشتباك بين الكلمة و السلطة , اشتباك بين اتهام المواطن بإهانة السلطات و بين دفاع المواطن عن نفسه بأنه انتقد السلطات , فكيف يمكن أن يفك الاشتباك بين أعمال إهانة السلطات وأعمال نقد السلطات؟
من اجل تحقيق ذلك يقتضي منا فك الاشتباك في العلاقة بين المواطن و السلطة , فك الاشتباك بين مفهومي "النقد" و "الإهانة" , و تحليل الآثار الاجتماعية الناجمة من خطورة كبح المواطن من مراقبة السلطة.
إن فك الاشتباك في العلاقة بين المواطن و السلطة ضروري لبيان المراكز القانونية و مدى تمتعها بالمساواة بين أطرافها من أجل بناء فهم أخلاقي قانوني رصين لهذه العلاقة , فالفرد الذي يقوم بأعمال "النقد" أو "الاهانة" لا يملك أجهزة تنفيذية أو أجهزة قهر و إرغام كالبوليس و الجيش و الاستخبارات و لا يملك الهيمنة على الجهاز الإداري للدولة و لا يمتلك شبكة علاقات سياسية ضخمة متداخلة في الدولة, فهذه الأجهزة كلها تحت قيادة السلطة و امكانات القابضين عليها, و من ثم فان الفرد هو الطرف الضعيف في هذه العلاقة و السلطة هي الطرف القوي لتفوقها في امتلاك قدرات القوة و التفوق , و لا يمكن وصف المعادلة إلا أنها "السلطة في مقابل اللاسلطة" و بذلك تكون المعادلة غير متوازنة و غير عادلة , فالفرد طرف ضعيف و السلطة هي الطرف القوي , و من هنا فإن حماية الطرف الضعيف أولى بالرعاية من حماية الطرف القوي من خلال تعزيز المركز القانوني للفرد الضعيف و منحه غطاءً قانونياً يستطيع من خلاله التحرك لكبح جماح السلطة و سوء التصرف بها من قبل القابضين عليها .
أما من ناحية الفصل بين مفهومي "النقد" و "الاهانة" فإن هذا الاشتباك بين التعبيرين قائماً و موجوداً من الناحية القانونية في حالتين :
الأولى : عندما يكون النقد جارحاً و قاسياً بعباراته من أجل خلق قوة التأثير في تقييم أداء الشخصية العامة , فربما النقد الهادئ و الرقيق لا يحقق الغرض من انتقاد السلطة إلا إذا كان الانتقاد جارحاً و قاسياً , فالمواطن إن كان جارحاً و قاسياً في انتقاده للقابضين على سلطة العامة لتقييم أدائها إزاء واقعة ذات أهمية اجتماعية كبرى لا يكون متعسفاً في استعمال حقه أو لا يترتب عليه مسؤولية جزائية أو مدنية . كأن تكون قضية فساد كبرى تتعلق بمصالح الأجيال فهنا لا يمكن ممارسة الانتقاد الهادئ و إنما العبارات الملائمة لتقييم السلطة يجب أن تكون عبارات قاسية و جارحة ، إذا ما انحرفت السلطة عن المصالح العامة .
الثانية : عندما يُطعن بأعمال القابضين على السلطة و قذفهم بعبارات ، إذا ما تم إثباتها فانهم يتعرضون الى العقاب, و القذف نوع من المساس بالشرف و الكرامة و يعطي مفهوم الإهانة بشكل واضح و هي جريمة بحد ذاتها إلا أنها تتحول الى عمل مباح عندما توجه للقابضين على السلطة إذا ما توفر دليل الاثبات بموجب المادة (433) من قانون العقوبات العراقي , فالطعن بنزاهة الشخصية التي تتولى إدارة مصالح الجماهير إنما هو مساس بكرامته و شرفه , فشرف المرء نزاهته و الطعن بها يعد طعناً بشرفه و كرامته و هذا الطعن و القذف أو قل "الإهانة" يعد مباحاً بل واجباً إذا ما توفر دليل الاثبات , فإن القضاء بهذه الحالة يقوم بموازنة بين مصلحة الشخصية العامة في طمس انحرافاتها و إخفاء أدلتها توقياً لخدش شرفها أو التعريض بسمعتها و بين مصلحة أولى بالرعاية و أحق بالحماية و هي حق الجمهور أن يعرف الكيفية التي تُصرِّف بها القابض على السلطة الشؤون العامة , فالقرارات القضائية بهذا الشأن حسرت عن القائم بالعمل العام الرعاية التي يتطلبها صون اعتباره طالما كان الاسناد الانتقادي العلني واقعاً في حدود النقد المباح .
في هذه الحالتين يكون النقد يقترب من الإهانة كثيراً و يختلط به بشكل يصعب الفصل بينهما و فك اشتباكهما عندما يكون جارحاً و قاسياً , و يأخذ صورة الإهانة بشكل صريح عندما يُطعن بعمل القائم بالسلطة و قذفه بعبارات تعطي مفهوم الاهانة عندما يتوفر دليل الإثبات في انحرافه عن مصالح الشعب العليا و قضاياه الاساسية و المتاجرة بها .
أما من ناحية الاثار الاجتماعية السلبية على أريحية استعمال مفردة "إهانة السلطة" ضد كل من يقترب من السلطة فاضحاً انحرافاتها و كاشفاً فسادها للرأي العام فإن القابضين عليها و من أجل الاستمرار في الاستحواذ على السلطة على الرغم من انحرافهم فانهم يستعمل القوانين التي تكبح اندفاع المواطن و وصوله الى خطوطهم الدفاعية الأولى لأجل إرجاعه الى السواتر التي يرغبون بها القابضين على السلطة و إعادة تموضعه في منطقة " النقد المسموح به" و من ثم الدفع به نحو عزل المواطن عن الاهتمام بالشأن العام و الانعزال عنه مما يوفر للنظام القائم أسباب التحكم التسلطي , أن تكون صالحاً في نظر هذا النظام عندما تنغلق عميقاً على نفسك بعيداً عن الشأن العام الذي يحدد مسار الشعب المستقبلي و ترك هذه المهمة للحاكم , بالوقت الذي يجب أن توجد قوانين تشجع المواطن و تربيه على الخروج من شرنقة شأنه الخاص الى العناية بالشأن العام و بذلك تمارس هذه النوعية من القوانين بشكل مباشر في تربيته على الخروج من الاهتمام بمصالحه الخاصة نحو الاهتمام بالمصالح العامة ليكون فرداً عاماً واعياً يراقب حكامه من العبث بالسلطة التي هو خولها للحكام ليكون كابحاً لانحرافهم.
إذن , و ماذا عن هيبة الدولة ؟ ان الكشف عن مكامن انحراف السلطة داخل الدولة بشجاعة إنما هو عمل يرفع شأن الدولة في نظر المجتمع لأنه محاولة لكمال الدولة, و السكوت عن انحراف السلطة هو ضياع لهيبة الدولة . لكن ذلك لا يعني أن يكون هناك تسامح أمام كل من يحاول إهانة السلطة بشكل فاضح لا لبس فيه تحت ستار النقد و لا يجب أن يخلو النظام العقابي من جريمة "إهانة السلطة" و العقاب عليها إلا أن اختلال التوازن بالعلاقة بين المواطن و السلطة بتفوق السلطة على المواطن و متطلبات الديمقراطية يتحتم إعادة صياغة المواد (225-226-227) من قانون العقوبات العراقي من دون الغائها , و إعادة صياغة هذه تكون من خلال اعتماد طريقة الصياغة القانونية الجامدة التي لا تسمح بوجود مسارات اجتهادية بمصطلح "إهانة السلطات" من خلال تعريفها و تحديد صورها و مظاهرها و بشكل واضح و صريح , لأن ترك هذا المصطلح القانوني بشكل فضفاض و مرن يقود الى نتائج خطيرة في غير صالح المجتمع و الدولة و بذلك يتم فك الاشتباك الحاصل بين " إهانة السلطات" و "نقد السلطات" باعتبار النقد هو الأصل و هو الحق الطبيعي و الدستوري و القانوني للمواطن و آدابه مفترضة من خلال حقه في الكلام بفحص و تدقيق أعمال القابضين على السلطة و اختلاط السلطة بهم و هو حق لا يقيده اجتهاد قضائي و إنما القانون يقيده بنصوص صريحة واضحة .
نقلا عن المدى