.
.
.
.

​العراق وبناء الثقة مع السعودية والإمارات

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

العراق البلد النفطي الغني بثرواته وشعبه وثقافته وتاريخه. ذلك البلد الذي أنهكته الحروب والفساد والإرهاب وفوضى السلاح، وصراع القوى الإقليمية على أرضه! هذا البلد المهم عربياً، وبحكم موقعه الجغرافي، يمتلك حدوداً واسعة مع دول مهمة في الشرق الأوسط: السعودية، تركيا، إيران، سورية، الأردن، والكويت.. وهذه الحدود عرضة لعمليات التهريب: المخدرات، الممنوعات، الأسلحة، النفط، المقاتلون الأجانب. وضبط هذه المساحات الشاسعة من الصحارى، يحتاج إلى جهود أمنية كبيرة، وتجهيزات تقنية حديثة، ومعلومات استخباراتية، وذلك أحد أوجه التعاون المهمة بين العراق والسعودية والإمارات، وهما البلدان الخليجيان المهمان اللذان زارهما رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مؤخراً.

السيد الكاظمي عندما شكر الحكومة الإماراتية على جهودها في مواجهة "داعش"، كان يشير إلى هذا التعاون الدائم بين بغداد وأبو ظبي في مواجهة "الإرهاب". خصوصاً أن الكاظمي مطّلع على كثير من تفاصيله منذ أن كان رئيساً لجهاز المخابرات العراقية. وهو تعاون يسعى العراق لأن يستمر بينه وبين الإمارات والسعودية، كون هذه الدول الثلاث تعتبر أن "داعش" وبقية التنظيمات الأصولية مصدر خطر حقيقي ليس على العراق وحده، بل على الخليج والشرق الأوسط. وهذه الدول لا تريد أن يتحول العراق إلى قاعدة لانطلاق الهجمات التي تستهدف دول الجوار، ولذا، هي جادة في تعاونها، لأن خطر "داعش" لا يزال جدياً، رغم الهزائم التي منيَّ بها التنظيم.

الإرهاب أو مجابهة الفكر المتطرف، ليس الملف الوحيد الذي ناقشه الكاظمي، أثناء زيارته العاصمة السعودية الرياض في 31 آذار (مارس) الماضي، والقمة التي عقدها مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بل هنالك ملفات أخرى تتعلق بالجار الشرقي، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي تؤثر بشكل مباشر في الوضعين الأمني والسياسي في العراق، من خلال حلفائها الذين يمتلك عدد منهم تنظيمات مسلحة، تستهدف القوات الأميركية، مثل "كتائب حزب الله" وجماعة "رَبعُ الله"، واللتين تنتقدان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بعنف!

أطراف في الحكومة الإيرانية طلبوا من الكاظمي التوسط لدى الحكومة السعودية، من أجل حوار بين الرياض وطهران، تمهيداً لتهدئة الأجواء في المنطقة.

"الوسيط الموثوق"، دورٌ بإمكان حكومة الكاظمي القيام به، إلا أنه كي ينجح العراق في مهمته، لا بد أن تُطلق طهران مبادرة حُسن نوايا حقيقية، عبر التوقف عن دعم حلفائها الحوثيين في اليمن، الذين يكثفون هجماتهم على الأهداف المدنية والاقتصادية والعسكرية في السعودية. كما أن الإيرانيين إذا أرادوا لجهود الكاظمي أن تثمر، من الضروري أن يرفعوا الغطاء عن الميليشيات المسلحة في العراق، كي تكون الحكومة وقواها الأمنية والعسكرية هي الضامنة للأمن، بحكم القانون.

الرياض من مصلحتها أن تكون هنالك تهدئة في الخليج، وأن تعود العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، لكن هذا الأمر له شروط، أهمها: وقف التدخل في الشؤون الداخلية والتحريض.

الحكومة العراقية، مدعومة بجمهور واسع جداً من العراقيين، تسعى الى أن تبني علاقات متوازنة مع دول الجوار، وبإمكان بغداد بما لها من احترام، أن تكون جسراً بين القوى المتنافسة، تقرب وجهات النظر، وتخفف التوترات؛ ولذا نجد العراق مهتماً بمشروع "المشرق العربي" الذي هو نتاج تعاون ثلاثي: عراقي – أردني – مصري؛ ومشروع "التواصل مع دول الخليج العربية"، والذي أساسه التكامل مع السعودية والإمارات وبقية العواصم الخليجية.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي أخذ الكاظمي في جولة في منطقة الدرعية وجاب به حي الطريف التاريخي، هو الآخر تربطه علاقة ثقة وتقدير مباشرة مع رئيس الوزراء العراقي.

ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، وخلال لقائه بالسيد مصطفى الكاظمي، وصف الأخير بـ"الأخ العزيز"، مضيفاً: "معرفتنا لها مدة، بنينا عليها الثقة، بناء على مواقف مختلفة"، مردفاً: "ثقتنا فيكم كبيرة".

هذا الاحترام الذي يحظى به الكاظمي، لدى زعيمين قويين ومؤثيرين في المنطقة هما محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، هذا الاحترام، يعكس السمعة الحسنة التي يتمتع بها رئيس الوزراء العراقي لدى الطبقة السياسية الحاكمة والفاعلة في الخليج، وتحديداً النخبة الجديدة، التي ترى في الكاظمي شخصية تسعى الى أن يكون القرار العراقي مستقلاً عن التأثيرات الخارجية، وأن ينحصر السلاح في يد الدولة وحدها، وأن يكون العراق دولة متعاونة مع جوارها الإقليمي من دون أن يشكل تهديداً لجيرانه.

هذا الترحيب نجد مثالاً آخر له لدى نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، الذي غرد عبر حسابه في "تويتر"، قائلاً: "حلّ دولة رئيس وزراء جمهورية العراق الشقيقة مصطفى الكاظمي ضيفاً عزيزاً على المملكة بدعوة كريمة من مولاي خادم الحرمين الشريفين والتقى خلالها بسيدي سمو ولي العهد، في زيارة تعكس المستوى الرفيع من التعاون وما يجمع البلدين من أواصر الأخوة والعروبة والمصير المُشترك".

رصيد كبير سياسي، واقتصادي، وأمني، ومعنوي؛ عاد به مصطفى الكاظمي من زيارتيه إلى السعودية والإمارات، على الحكومة العراقية الاستفادة منه في تعزيز الإصلاحات الداخلية، وبناء علاقات متوازنة خارجياً. كما على العواصم المؤثرة إقليمياً دعم حكومة الكاظمي، من دون تردد أو تأخير، كي لا تضيع هذه الجهود، إذا أرادت أن يكون العراق نظاماً فاعلاً في الأمن الإقليمي، وهو أمن لا يستقيم من دون دور عراقي وازنٍ وإيجابي.

*نقلاً عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.