.
.
.
.

أهل الكويت أولى ببلادهم

محمد سالم البلهان

نشر في: آخر تحديث:

بالأمس وأنا أتجول بأحد الأماكن العامة بمدينة الكويت (العاصمة) وجدت من يتقدم نحوي بالسلام. ملامح وجهه لم تكن غريبة عني، إلا أنه وكما يبدو أن لعامل الزمن دورا، ومرور الأيام الطويلة لها فعلها، تلك الأيام التي لم ألتقه فيها غيرت الكثير من ملامحه، لا سيما وقد كان يمسك بيده في تلك اللحظة عصا يتكئ عليها ولعدم الإحراج سلكت معه أسلوب قدماء أهل الكويت في التعرف، فسألته «اسم الولد يحفظه الله» قال: ألم تعرفني بعد يا صديقي؟ أنا فلان زميلكم السفير السابق أبو فلان..
سبحان الذي يغير ولا يتغير، عصرت بقوة ذاكرتي وأنا أنظر لوجهه الباسم الكريم بتمعن، فبانت لي تلك الملامح التي أخفتها تغيرات الوجه التي وجدت هناك وراء تلك التجاعيد، ما دلني على التعرف على صديقي أبي عبدالله، سألته كيف الأحوال وأين هو الآن بعد التقاعد؟

قال: عدت للكويت ولقد وجدت وضعي كما قال المثل «طارت الطيور بأرزاقها»، ولم أجد أمامي غير المنزل الذي أقضي فيه معظم أوقاتي مع زوجتي «بعد أن كبر العيال»، واستقل كل واحد بنفسه مشغولاً بتربية أبنائه وعائلته، ولم يبق لي في الدنيا الا السيدة زوجتي التي داهمتها أمراض الشيخوخة وقد اشتعل الرأس منها شيباً..

فتذكرت تلك الأيام التي كانت تجمعني وهذا الرجل الكريم زمالة العمل، وكيف كان في غاية النشاط والشباب والقوة والطموح، كان من المجاهدين المخلصين لشعبه وبلاده. في أحد بلدان أفريقيا الصديقة التي كنا نعمل فيها معاً كانت البلاد في أول أيام استقلالها وكان لها مطار واحد تختصر ريادته على شركتين للطيران، هما شركة BUAC البريطانية والشركة الفرنسية، وكان يفترض على المسافر إلى الكويت على طائرات تلك الشركات أن يقضي ليلة أو ليلتين في هيثرو في بريطانيا (لندن) أو في مطار شارل ديغول في فرنسا (باريس)، وفي يوم جاءني الزميل أبو عبدالله وهو يعتصر ألماً طالباً السفر للكويت بأسرع وقت ممكن لحضور عزاء السيدة والدته التي توفاها الله، وكان يشكو من أن الوقت قصير ولا يمكن أن يقضي ليلة أو ليلتين في أي مطار سواء في لندن أو في باريس، ولم يحل الموضوع إلا بتدخل أحد أصدقائنا العاملين في مكاتب الطيران الذي وجد حلاً وهو السفر إلى باريس ومنها إلى جنيف ومن جنيف إلى اسطنبول ومن اسطنبول إلى بيروت ومن بيروت إلى الكويت وذلك يأخذ ما يقدر بأربع وعشرين ساعة. هذه الحياة التي كان يقضيها الرجل العظيم الذي يعيش الآن بين الحيطان لا يسأل عنه أحد. إنهم سفراء الكويت الرجال المحاربون القدماء الذين لا يجوز إهمالهم ويجب أن ينظر إليهم بنظرة الاعتبار، لأنهم خدموا البلاد في ظروف لم يعشها أحد غيرهم.

*نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة