.
.
.
.

في التاسع من نيسان 2003 مُحيت أمة

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

حين كلف الرئيس العراقي الراحل صدام حسين رعاة الأغنام في البادية الغربية بأن يقوموا باصطياد طائرات الشبح الأميركية وإسقاطها كان الأولى بالولايات المتحدة أن تلغي خطط الغزو فالحرب المقبلة ستلحق بها عارا أبديا، ليست لأنها غير متكافئة فحسب بل وأيضا لأن الرجل الذي تسعى إلى الإطاحة به وبنظامه كان معتوها، مقطوع الصلة بالواقع وليس من الإنسانية أن يُدمَّر بلد وشعب بناء على معلومات كاذبة تتعلق به.

وعلى العموم فإن الكونغرس الأميركي كان قد أصدر قبل سنوات من ذلك الحدث المشؤوم قانون تحرير العراق كما لو أن تلك البلاد سيئة الحظ كانت جزءا من الولايات المتحدة. سيُقال إن ذلك القانون صدر بضغط من بعض الشخصيات العراقية المعارضة وهو قول ينطوي على الكثير من المبالغة، غير أنه يسلط الضوء على سوء الحظ الذي يمكن رؤيته مجسدا في كل منعطف من منعطفات التاريخ السياسي العراقي عبر العقود الجمهورية الماضية.

كان العراق سيء الحظ بنظامه السياسي الحاكم ومعارضي ذلك النظام، بقبائله وأحزابه، بطوائفه وقومياته، بأكثريته وأقلياته، بأصدقائه وأعدائه، بجيرانه وأقربائه. لقد اشتبك سوء الحظ بعناد أسطوري تميزت به الشخصية العراقية التي غلبت القسوة على كل صفاتها النبيلة. كانت قسوة العراقي على نفسه سببا للعمى الجماعي بحيث كان العراقيون يُخدعون بيسر بالرغم من شعور أبله بالتفوق هو أشبه بجنون العظمة المغطى بالتواضع.

لقد قبل العراقيون بالقسوة التي مورست ضدهم من داخلهم بل أنهم اعتبروها حلا مصيريا.

حين تُستعاد بعض تصرفات حكام الشعب العراقي يمكن بيسر الحكم على أولئك الحكام بالجنون المبالغ فيه. غالبا ما كان حكام العراق مجانين. تلك حقيقة تعرفها الولايات المتحدة من خلال أجهزتها الاستخباراتية ومراكز الدراسات فيها. فهل يُعقل أن تتم معاقبة شعب بأكمله بسبب رئيس مجنون؟ ثم ألم تتعامل الولايات المتحدة نفسها مع كثير من الرؤساء المجانين باحترام ومنحتهم أرقى أنواع الأوسمة؟

ولكن المؤلم أن يوم التاسع من نيسان 2003، وقد كان يوما أسود ففيه أكمل الأميركان عملية غزوهم، كان مناسبة لكي يكشف العراقيون كلهم عن جنونهم. كانوا مجانين مثل حكامهم. ما جرى أن العراقيين يومها وهبوا صدام حسين براءة ذمة، فهو ابنهم الذي يشبههم ويمثلهم وكان ضروريا لهم من أجل أن تكون لهم دولة قوية يعتزون ويفاخرون بها أمام الآخرين. كان كرم صدام حسين الانتقائي مصدر فخر لهم بالرغم من أنهم كانوا يعيشون في حالة عسر وحرمان وحسرة وفقدان.

حين غزت الولايات المتحدة العراق محته. حولته من دولة حديدية إلى دولة افتراضية بعد أن ميعته. مُحيت الدولة ففرح الشعب ومارس جنونه علنا، غير أن ذلك الجنون لم يستمر إلا يوما واحدا هو ذلك اليوم الأسود الذي سيكون عليه أن يتذكره إلى الأبد؛ التاسع من نيسان. سيُقال “لقد كنا شعبا آخر”. يفاجئ الشعب نفسه بأن يكون شعبا آخر. لقد نفض الشعب يديه من تاريخه. لم نكن نحن الذين صفقوا ورقصوا وباركوا وابتهلوا وتلذذوا بالقسوة. كان هناك شعب آخر.

ما الذي كان يفكر فيه مَن نهبوا ممتلكات الدولة العراقية يوم أعلن جورج بوش الابن عن نهاية العمليات العسكرية التي أدت إلى احتلال بلادهم؟

لقد ارتكب الأميركان جريمتهم كاملة غير أنهم شعروا بمسرة حين اكتشفوا أن هناك شعبا كان جاهزا للتماهي مع جريمتهم. كان سوء الحظ قد أظهر الشعب العراقي باعتباره شعبا سيئا. لقد كان هناك شعب سيء. كان ذلك أقسى حكم فرضه الشعب العراقي على نفسه. لعبت المعارضة السابقة وبالأخص اليسارية منها دورا عظيما في تطبيعه. كره العراقيون نظام البعث فكرهوا بلادهم. تلك فكرة مجنونة تناسب عنادهم الذي استفاد منه الأميركان في تدمير ما كان قائما من دولتهم التي ما كان يُمكن أن تُمحى لولا موقفهم السلبي.

اليوم بعد ثماني عشرة سنة من الاحتلال لم يفق العراقيون من إغماءتهم. من السخف القول إنهم يحنون إلى عصر صدام حسين غير أنهم يدركون جيدا أن دولتهم التي مُحيت لا يمكن استعادتها. ولكن الأهم من ذلك أنهم يدركون أن إنسانيتهم لم تعد متماسكة كما كانت في عصر ما سُمي بـ”الطغيان والقمع والاستبداد والمقابر الجماعية”. الأمر لا يتعلق بالدولة التي يمكن أن تكون ورقية. كانت هناك خيانة مبيتة. هل خان الشعب نفسه أم تم إسقاطه في فخ خيانة مبيتة؟

في التاسع من نيسان، قبل ثماني عشرة سنة أعلن الأميركان عن إكمال جريمة لا تزال في منأى عن العدالة الدولية. ما رأي الشعب العراقي؟

*نقلا عن العرب

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.