.
.
.
.

القاهرة - بكين .. علامات استرشادية لشراكة إستراتيجية

كمال جاب الله

نشر في: آخر تحديث:

تاريخيا، ورد اسم مصر، ومدينة الإسكندرية، في بعض السجلات الصينية القديمة، التي أشارت إلى أن ربط طريق الحرير العربي وطريق الحرير البحري بين مصر والصين لم يكن تجاريا واقتصاديا فحسب، وإنما ربط بينهما ثقافيا وفكريا وعلميا.

أصبح التبادل الصيني- العربي مكثفا بعد بزوغ شمس الإسلام منذ القرن السادس ميلاديا، وانتشرت العلوم العربية المتقدمة بما فيها علم الطب والرياضيات وعلم الفلك في الصين عبر طريق الحرير، كما نقلت صناعة الورق والطباعة والبارود والبوصلة التي اخترعها الصينيون إلى العالم العربي، ومن ثم إلى أوروبا.

على مدى الـ 65 عامًا الماضية، شهدت العلاقات العربية- الصينية مسيرة غير عادية، وظل الجانبان يحتفظان بعلاقات التعاون الودي المبنية على أساس التاريخ المتشابه والمصالح المشتركة وأهداف التنمية المتطابقة، خصوصا منذ انتهاج الصين سياسة الإصلاح والانفتاح على الخارج وانتهاء الحرب الباردة، حيث تسير علاقات الصداقة والتعاون بين الدول العربية والصين في طريقها إلى التنمية الشاملة مع تغيرات الأوضاع بالصين محليا وخارجيا.

في مثل هذا الشهر، وتحديدا في الفترة من 18 إلى 24 أبريل عام 1955، التقى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر مع شو ان لاي رئيس مجلس الدولة الصيني، في أول محطة للتواصل بين القيادات السياسية في البلدين، على هامش مشاركتهما في المؤتمر الأفرو- أسيوي بمدينة باندونج في إندونيسيا.

في شهر يوليو عام 1956، وبعد أن أعلن الرئيس جمال عبدالناصر تأميم شركة قناة السويس، بادرت الصين بتأييد هذا القرار، وأكد الزعيم ماو تسي تونغ على أن الصين حكومة وشعبًا ستدعم بكل ما في وسعها النضال الباسل الذي يخوضه الشعب المصري من أجل حماية سيادته على قناة السويس.

عقب العدوان الثلاثي الغاشم على مصر، من جانب إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، في عام 1956، أصدرت الحكومة الصينية بيانًا أدانت فيه العدوان، وأكدت على موقفها الثابت الداعم للنضال العادل الذي يخوضه الشعب المصري من أجل حماية سيادة الدولة والاستقلال الوطني، وتجلي موقف الشعب الصيني المؤيد والداعم لمصر عندما خرجت واحدة من أكبر المظاهرات بالصين تأييدًا لمصر وتنديدًا بالعدوان.

خلال مرحلة التحول السياسي التي شهدتها مصر، عقب قيام ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، أكدت الصين قولا وفعلا احترامها لإرادة الشعب ورفضها لأي تدخل خارجي في الشئون الداخلية لمصر، وتواصلت الاستثمارات الصينية في مصر لتبلغ 7 مليارات، وافتتاح العديد من المشروعات التنموية المصرية- الصينية المشتركة، وفق الجداول الزمنية المقررة.

عقب انتخابه رئيسا للجمهورية، وفي أول زيارة للرئيس عبدالفتاح السيسي للصين، في الفترة من 22 إلى 25 ديسمبر عام 2014، وقعت مصر والصين على وثيقة إقامة علاقات شراكة استراتيجية شاملة، تضمنت اتفاقيات في التعاون الفني والاقتصادي وفي مجال الطاقة الجديدة والمتجددة والتعاون في مجال الفضاء، وأعلنت مصر انضمامها إلى مبادرة الحزام والطريق.

في شهر يناير من عام 2016، قام الرئيس الصيني، شي جين بينج بزيارة رسمية لمصر، وتناولت المباحثات القمة المصرية - الصينية بشكل مفصل سُبل الارتقاء بالتعاون الثنائي في مختلف المجالات، حيث أكد السيسي على دعم مصر لمبادرة رئيس الصين لإحياء طريق الحرير، بالنظر إلى ما تساهم به تلك المبادرة في تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين الصين والدول العربية والإفريقية.

تطرقت مباحثات القمة إلى عدد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية وتوافقت الرؤى حول ضرورة تعزيز التعاون المشترك إزاء تلك القضايا في مختلف المجالات الثنائية والمحافل متعددة الأطراف، ولاسيما في مواجهة خطر الإرهاب والتطرف، مع بذل كل ما يلزم من جهود للتوصل إلى تسوية لأزمات منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتطورات الجارية في ليبيا وسوريا واليمن.

في شهر فبراير الماضي، أجرى الرئيس عبدالفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الصيني شي جين بينج، أكد السيسي، خلاله، على قوة الدفع الكبيرة التي اكتسبتها العلاقات المصرية- الصينية على مدار الأعوام الماضية في إطار شراكة استراتيجية شاملة، وحرص مصر المستمر على الارتقاء بمستوى التعاون بين البلدين، وإيجاد آفاق جديدة للعلاقات الثنائية، خاصةً فيما يتعلق بجذب الاستثمارات الصينية، ونقل التكنولوجيا والخبرات الصينية، فضلًا عن التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين في التقدم والتنمية.

أشاد السيسي بالدعم المتبادل خلال أزمة وباء كورونا كدليل على عمق العلاقات بين البلدين الصديقين، معربًا عن التقدير لقرار الصين بإهداء كميات من لقاحات كورونا إلى مصر لتطعيم المواطنين، وتطلع مصر لتعزيز التعاون والتنسيق بين جهات تقديم الرعاية الصحية بالبلدين لنقل الخبرات والإمكانات الصينية.

من جانبه؛ أشار الرئيس الصيني إلى أن التعاون بين البلدين في مجال مكافحة كورونا يأتي انعكاسًا لما وصلت إليه العلاقات الثنائية بين مصر والصين من مراحل متقدمة وعلاقة استراتيجية غير مسبوقة، والتي تعد نموذجًا مثاليًا للتعاون بين الصين وسائر الدول العربية والإفريقية.

نوه الرئيس شي إلى الاهتمام المتبادل لدى بلاده للعمل على تعزيز التعاون المشترك بين السلطات المختصة في البلدين في إطار جهود احتواء فيروس كورونا، واستعداد الصين لنقل خبرتها وتجربتها في هذا الصدد إلى مصر، إلى جانب توفير احتياجاتها من اللقاحات، وذلك في إطار علاقة الصداقة الوثيقة بين البلدين، فضلًا عن التعاون المثمر والروح البناءة التي شهدتها العلاقات المشتركة بين الصين ومصر في مواجهة أزمة كورونا في بدايتها، ومشيدًا في هذا الإطار بالتعامل الناجح لمصر في احتواء تداعيات الجائحة.

كما أكد الرئيس شي جين بينج حرص الصين المستمر على الارتقاء بشراكتها الوثيقة مع مصر في جميع المجالات، وتوسيع وتنويع أطر التعاون المختلفة، بما فيها المحافل الدولية متعددة الأطراف، وذلك على نحو يلبي طموحات وتطلعات الشعبين والبلدين الصديقين، لا سيما في ضوء الأهمية المحورية لمصر بمنطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا، إلى جانب ما تشهده مصر من نهضة تنموية واقتصادية لافتة في ظل رؤية استراتيجية متكاملة الجوانب بقيادة الرئيس السيسي.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة