.
.
.
.

أردوغان وإعادة إنتاج صورة القائد الشعبوي

أحمد نظيف

نشر في: آخر تحديث:

الصورة قاسية، لكنها تقول كل شيء عن سوء التفاهم بين أوروبا وتركيا. نرى رجلين: الرئيس التركي ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال يجلسان بهدوء على كرسيين، محاطين بعلم تركيا وأوروبا، بينما تجلس رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أريكة، في مقعد سفلي، والطريف أن اجتماع أردوغان بقادة الاتحاد الأوروبي كان الغرض منه هو تجديد العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة والاتحاد، لكن المشهد الذي بدا فيه إذلال رئيس المفوضية الأوروبية من قبل رئيس تركي يظهر بوضوح أن رجب طيب أردوغان نجح مرة أخرى في جلب الانتباه له بالطريقة التي يريدها: رجل قوي يستخف بمحاوريه.

هكذا يبني أردوغان مجد نظامه الأوتوقراطي: ليس بسعادة الشعب، ولا بالنجاح الاقتصادي أو بالتأثير الدولي، لا بالسلام مع جيرانه أو بجاذبية هذا البلد العظيم الذي هو تركيا، ولكن من خلال قدرة القائد على إنتاج صور شعبوية تثير اهتمام ناخبيه.

ما وراء المسرحية الأردوغانية، يوجد في هذا المشهد المثير للشفقة أكثر بكثير من الذكورية؛ هناك تجلٍ للمأزق الدبلوماسي. فمن الخطأ اختزال هذه الحادثة بالرغبة في تأكيد سيادة حكم الرجل على النساء وفق القراءة السطحية التي يرسمها الإسلاميون للدين ومن بينهم أردوغان. صحيح أن لحظة الإزدراء هذه تتماشى مع خروج تركيا من اتفاق إسطنبول لمناهضة العنف ضد المرأة، في 19 آذار (مارس) الماضي، لكن يمكن للمرء أن يرى أن هناك رغبة في تسجيل نقاط للأغراض الانتخابية، وبما أن تكتيك أردوغان يقوم على انتاج الصور الشعبوية، يجب على المرء أن يتوقع خطوات مذلة أخرى.

فالرئيس التركي يقوم من خلال الصورة الرمزية بعمل سياسي يتفق مع سلوكه تجاه أوروبا. لقد أهانها عمداً وأخبرها برأيه في مبادئها وسيادتها، مصوراً القوة الإسلامية وشرعيتها في رفض منح المرأة المساواة، بل وحتى الاحترام. إنه يفعل ذلك رغم حاجته إلى حليف في وقت تهدده الولايات المتحدة بعقوبات اقتصادية ومع ذلك لا يمكننا أن نعثر عن صورة تعبر عن ازدراء سلطان أنقرة للضعف السياسي لأوروبا أفضل من مشهد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وهي تجلس على أريكة منخفضة أمامه.

تبدو الفجوة اليوم هائلة بين تركيا وأوروبا. بين تركيا التي تعود إلى الأشكال السياسية القديمة والقبلية، وتوحّد الشمولية الدينية والعنف السياسي في ممارسة السلطة وبين أوروبا ما بعد الحداثة غير القادرة على إيجاد القوة للتأثير على المشهد الدولي، بسبب الافتقار إلى الوجود السياسي في أعين الشعوب التي تتكون منها، حتى أن المرء يتساءل ما هو الحوار الذي يمكن أن يشارك فيه الاتحاد الأوروبي اليوم. مع شخص يؤمن فقط بالقوة والأحلام بإعادة إنشاء إمبراطورية عثمانية، فيما تخبو قوة الأوروبيين ويتضاءل زخم الوحدة أمام صعود نزعات الوطنية الضيقة.

منذ 12 أيلول (سبتمبر) 1963 والتوقيع على اتفاق أنقرة الذي أنشأ رابطة بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية وتركيا، كان المفهوم الأوروبي يكرر بلا كلل أن تركيا شريك مهم؛ لكن الحرب في سوريا وقضية المهاجرين أضافت لها بعداً دراماتيكياً حيث أصبحت أوروبا تحت رحمة الإبتزاز الذي يمارسه أردوغان بإطلاق العنان لموجات الهجرة نحو دول الاتحاد.

لكن نتيجة لذلك، يضع الاتحاد نفسه في حالة خضوع من خلال الظهور وكأنه يخشى أن تغضب أنقرة يوماً. في بروكسل، كما في برلين، يبدو أن القيادات الأوروبية تخشى تركيا وبخاصة تحولات سياساتها الداخلية التي تنعكس سلباً على سياستها مع الإتحاد. وطالما أن هذا هو الحال، فإن الأوروبيين سيظلون معلقين بالحياة السياسية الداخلية لهذا البلد، والتي تتسم بالاضطراب في شكل خاص ولا يمكن التنبؤ بها. لذلك أدرك أردوغان تماماً أن مضاعفة تقلباته المزاجية تسمح له بالحفاظ على التوتر، والسماح له بالتهديد والابتزاز في قضايا الأمن والهجرة وبالتالي الحصول على دخول أفضل في أي مفاوضات. هذا هو المنطق الذي يجب على الأوروبيين عكسه الآن من أجل تحقيق مستوى منطقي من الحوار.

تدهورت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في شكل تدريجي على مدى السنوات الماضية، ما أدى إلى توقف فعلي للأدوات والعمليات المختلفة للمشاركة والتعاون الثنائي. كان هذا في الغالب بسبب الإجراءات التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط، والتي تمثل تحدياً مباشراً لحقوق جمهورية قبرص في مناطقها البحرية، والزيادة الحادة في الإجراءات الاستفزازية التي تقوم بها تركيا ضد اليونان؛ الفشل في إحراز تقدم في عملية التسوية القبرصية، مقروناً بأعمال التهديد التركية ذات الصلة والخطاب المسيء؛ والتدخلات التركية الحازمة في معظم النزاعات الإقليمية المحيطة، بطرق غالباً ما كانت تتعارض مع مصالح الاتحاد الأوروبي الأوسع. علاوة على ذلك، كان للتدهور المتزايد للوضع المحلي في تركيا، لا سيما في مجال الحقوق الأساسية والحوكمة الاقتصادية، آثاراً سلبية واضحة على علاقات تركيا مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وعلى جدول الأعمال الثنائي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

ومنذ كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أظهرت تركيا موقفاً أكثر هدوءاً وبناءً بشأن مختلف القضايا، بما في ذلك العلاقات الثنائية مع العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. كما رفعت جائحة كوفيد-19 من حجم المنافع المتبادلة. ومع ذلك، لا تزال عملية خفض التصعيد هشة. نحن بحاجة إلى مزيد من الوقت للحكم على ما إذا كانت مستدامة وذات صدقية وتقدم نتائج دائمة، بخاصة في ضوء الوضع المحلي المتدهور في تركيا والذي يحاول أردوغان السيطرة عليه من خلال إبراز نفسه كأحد سلاطين العالم العظام من خلال صور شعبوية لتورية الفشل الإقتصادي والشمولية المتصاعدة.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.