.
.
.
.

إيران... لا مفاوضات من أجل المفاوضات

مصطفى فحص

نشر في: آخر تحديث:

بعيداً عن لغة التحدي والقرارات الاستفزازية للضغط على أطراف المفاوضات النووية في فيينا، في جزء من إجراءات التصعيد الإيراني بعد الضربة التخريبية الغامضة التي تعرض لها مفاعل «نطنز» النووي في طهران، والاتهام الإيراني المباشر والصريح لإسرائيل بوقوفها وراء الاعتداء، جاء كلام مرشد الجمهورية علي خامنئي الأخير ليضع حداً للمكابرة الإيرانية، ويقدم المرشد اعترافه بمخاطر التفاوض طويل الأمد؛ إذ قال إن «المحادثات النووية في فيينا يجب ألا تقوم على الاستنزاف»، محذراً من أن «تَطُول» المفاوضات فتصبح مُضرة... «علينا التنبه إلى عدم تآكل المفاوضات. يجب ألا تتحول إلى وسيلة لبعض الأطراف لتجعلها تطول؛ الأمر الذي سيكون مضراً بالبلاد».
يدرك المرشد الإيراني خطورة المفاوضات من أجل المفاوضات، وأنها عملية استهلاك للوقت، ستُضيّق الخناق أكثر على النظام، الذي يواجه ضغوطاً داخلية نتيجة معاناة الإيرانيين الحياتية بسبب عقوبات أميركية لا تبدو واشنطن مستعدة لرفعها بالكامل أو تخفيفها وفقاً لشروط طهران، وهذا ما يؤرق مراكز صناعة القرار الإيراني، العالقة أمام معضلتين؛ الأولى الخروج من المفاوضات والذهاب إلى مواجهة مكلفة لا يمكن ضمان نتائجها، أما الثانية فهي الاستمرار في المفاوضات، مما يعني الخضوع للابتزاز الأميركي الذي سيمارس عملية استنزاف قد تمكنه من انتزاع تنازلات كبرى ستؤثر على شكل النظام وموقعه داخلياً.
في فيينا يجلس الفريق الإيراني إلى طاولة المفاوضات النووية، تحت ضغط أزمات داخلية كبيرة، حيث تعاني الأسواق الإيرانية نقصاً في السلع الرئيسية، واستمرار أزمة الرواتب في قطاعات حكومية عدة؛ من أبرزها قطاعا المعلمين والمتقاعدين، إضافة إلى تعطل الصناعات وعدم القدرة على تصدير النفط، وتعثر مالي أدى إلى ارتفاع نسبة التضخم وانخفاض حاد في سعر صرف العملة الوطنية.
في المقابل، يُمسك الطرف الآخر المعروف بمجموعة «4+1» إضافة إلى واشنطن التي تشارك في المفاوضات غير المباشرة، بأوراق القوة كافة، وهي غير ملزمة بإرضاء طهران أو استرضائها، ولا يمكن أن تعطيها ما تريده، وتضعها في الزاوية التي ستجبرها على القبول بما تريده المجموعة، فمفاوضات فيينا بلسان المسؤولين الإيرانيين أشبه بمفاوضات «4+2» التي جرت بين عامي 1989 و1990 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا من جهة؛ والألمانيتين من جهة ثانية حول توحدهما.
قبل القبول السوفياتي بتوحيد الألمانيتين كانت السلع الأساسية قد بدأت تختفي من الأسواق السوفياتية، وكان الاقتصاد السوفياتي يعاني الكساد، والخزينة استُهلكت على المجهود الحربي والتصنيع العسكري، فلجأ الرئيس السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف إلى المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول محاولاً إقناعه بإقراض روسيا 4 مليارات مارك ألماني من أجل تسديد معاشات الدولة، مقابل تذليل العقبات السوفياتية أمام الوحدة الألمانية، ولكن تحذيراً جاء من البيت الأبيض دفع بالمستشار الألماني إلى طلب المساومة بين القرض وإلغاء شروط موسكو على ضم ألمانيا الموحدة إلى حلف «الناتو»، فتنازل غورباتشوف عن الشروط، لكن واشنطن منعت بون حينها من إقراض موسكو ورمت عصفورين بحجر واحد؛ الأول تموضع ألمانيا الموحدة الجيوسياسي والجيواستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، والثاني تضييق الخناق الاقتصادي والمالي على السوفيات؛ الأمر الذي عجّل بتفكيك الاتحاد السوفياتي.
قبل انطلاق الجولة الثانية من مباحثات فيينا، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي أن «تركيزنا هو على المحادثات الدبلوماسية مع إيران حتى وإن كانت ستستغرق وقتاً طويلاً»، فيما طهران المتوترة لا تمتلك ترف الوقت، وكبرياء النظام يحول دون القبول ببعض التسهيلات التي تعرضها واشنطن، كما جاء على لسان المرشد خامنئي الذي قال إن «العروض التي تتلقاها إيران خلال محادثات فيينا بشأن الاتفاق النووي (لا تستحق النظر إليها)».
وعليه؛ لا تبدو هذه الجولة من المفاوضات معدومة النتائج، لكنها لا تبعث على التفاؤل، حيث تتمسك الأطراف كافة بشروطها، فيما الإنجاز الحقيقي يحتاج إلى تنازل شجاع لا يمكن للنظام تحقيقه، كما لا يمكن لواشنطن أن تبادر بشكل واسع لأنها محاصرة بشروط عديدة؛ من الكونغرس إلى شركائها الدوليين.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.