.
.
.
.

في مواجهة خطاب الكراهية

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

من أكثر القضايا الحياتية المعاصرة إثارة للخوف والقلق، تأتي ظاهرة الكراهية وخطابها الممجوج وقد ظن العالم أنها توارت بعد تجارب قاسية خبرتها البشرية في النصف الأول من القرن المنصرم، لكن من الواضح أن آفة حارتنا الكونية النسيان، بالفعل كما أشار إلى ذلك أديب نوبل، نجيب محفوظ ذات مرة.

هل هي مصادفة قدرية أم موضوعية أن يتجدد الحديث عن خطاب الكراهية هذه الأيام، وعلى بعد أسابيع قليلة من ذكرى اندحار النازية على الجبهة الروسية، وانكسار خطاب الفوقية الإمبريالية الألمانية في ذلك الوقت، ناهيك عن اضمحلال طروحات الشعب الأري؟

لا يهم أي مصادفة تكون، فيما الأهم التحذير من الخطر الكبير القائم والقادم على الأبواب، يشتهي أن يتسيد على الجميع، عرقيا تارة، وعقديا تارة ثانية.

تعاني البشرية اليوم من عدم وجود تعريف قانوني واضح لخطاب الكراهية، ومع ذلك فإن أقرب مفهوم أو محتوى له هو أنه أنساق تعبيرية، مرئية، مسموعة، مقروءة، تنشر الكراهية أو التمييز والعداوة بين البشر، أو تحرض عليها، وربما تروج لها أو تبررها ضد شخص أو مجموعة ذات صبغة عرقية أو دينية، وعلى أساس من يكونون.

والشاهد أن الكراهية فعل بشري قديم قدم الخليقة ذاتها، غير أنه وفي حاضرات أيامنا هذه، ومن أسف شديد ، يسرت شبكات التواصل المعلوماتية نشر الأخبار بحلوها ومرها، الحقيقي منها والمزيف وبات التفريق بينهما أمر صع ، وأضحت المواجهة عسيرة، فالأخبار تطير من غير أجنحة، تحمل خيرا أو شرا، وفي عرف الإعلام أن الأخبار السيئة هي الأخبار.

حين ينظر المرء من حوله يشعر بالفعل أن هناك خطرا جسيما يتهدد الجمي ، ما بين شوفينيات وعصبيات وقوميات، تنطلق في الغرب، وأصوليات متشددة في الشرق، وبينهما يضيع سلام العالم وأمنه وأمانه.

كارثة خطاب الكراهية أنه ينتشر في أرجاء العالم كافة، لا فرق بين دول غنية أو أخرى فقيرة، بين واحدة متقدمة وأخرى تعاني في طريق التقدم وترقية الشعوب.

قبل بضعة أيام أطلق شاب أمريكي صغير السن يدعى، براندن سكوت هول ، نيران سلاحه السريع الطلقات، على زملاء عاملين معه في أحد كبريات المتاجر التابعة لشركة فيديكس العالمية في مدينة إنديانابوليس الأمريكية، مما أسفر عن مقتل ثمانية موظفين قبل أن ينتحر.

هل كان الحادث بمثابة تعبير عن رغبة في الانتقام ولدتها خطابات كراهية عميقة دارت داخل الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الماضية ، وبخاصة على هامش انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة 2020 ؟

الشاهد أن مكتب المباحث الاتحادية لم يوفر وجود عامل الكراهية في الجريمة النكراء هذه، لا سيما وأنه من بين القتلى الثمانية، أربعة من طائفة السيخ، من أصول هندية، متميزون بملابسهم ومظهرهم، ثلاث نساء ورجل.

امتلأت الساحة الأمريكية مؤخرا بالجماعات العنصرية ذات الدعوات التي تختصم الآخر، لا سيما إن لم يكن من أصول أنجلو ساكسونية، بل باتت هناك معركة إيديولوجية دائرة في الأفق بين أنصار النقاء العرقي، أولئك الذين بات يتهددهم الخوف من أن تتقلص نسبة السكان البيض، لصالح الأعراق المهاجرة الأخرى، رغم أن هؤلاء بدورهم ليسوا إلا أبناء أو أحفاد مهاجرين من مختلف أرجاء العالم.

الوجه البغيض الآخر للكراهية موجه من منطلق عقائدي، وهو أخطر أنواع الخطابات انطلاقا من أن المطلقات لا تقبل فلسفة المواءمة، ولا تعرف القسمة على اثنين، ولهذا فإن صراعها هو الأشد ضراوة بين مختلف أشكال الصراعات البشرية.
على عتبات شهر رمضان الفضيل، علا من جديد صوت معروف من أصوات الكراهية، "جيرت فيلدرز "، زعيم حزب، "من أجل الحرية"، الهولندي.

عبر تويتر نشر فيلدرز مقطعا مصورا بعنوان: "لا للإسلام، لا لرمضان... لا حرية للإسلام".

المادة الفيلمية المصورة التي نشرها السياسي الهولندي المعروف بعدائه للإسلام والمسلمين، حوت صوت الأذان، وعبارات تحض على الكراهية من عينة قوله، رمضان ليس من ثقافتنا، ولا من تاريخنا وليس من مستقبلنا.

يغازل فيلدرز أصوات الداعين للكراهية، أولئك الذين يعزفون عزفا نشازا على أوتار، أسلمة أوروبا، والقطع بأن الإسلام لا ينتمي إلى هولندا ولا إلى أوربا بشكل عام.

خطاب الكراهية يعود من جديد ليخيف يهود العالم كما مسلميه ومسيحييه، هندوسيه وبوذييه، فقد تعرضت معابد يهودية في الولايات المتحدة لطلقات رصاص اليمينيين، والكراهية عينها هي التي تسببت في ذبح القس الفرنسي المتقدم في السن، جاك هاميل، داخل كنيسته على أطراف باريس، أما عن تجهيزات النازيين الجدد في ألمانيا لقادم الأيام فباتت تقض مضاجع الألمان خاصة والأوربيين عامة.

تحتاج البشرية إلى وقفة حاسمة وحازمة تفرق بين قضية حرية الرأي، وبين نشر خطاب الكراهية بين البشر، والذي بات فيروسا ستثبت الأيام أنه أشد هولا من فيروس كورونا والذي ستقضي عليه العقاقير واللقاحات، أما الآخر فكارثته تتمثل في أنه يمكن أن يسكن النفوس والعقول، ويتسبب في كوارث لا حوادث، تصيب الأجيال الحاضرة والقادمة.

البشرية مدعوة في حاضر أيامنا إلى خطاب الاعتدال والمودات، خطاب التسامح والتصالح، بث روح التضامن في أزمنة صعبة.. فهل من آذان سامعة للسمع؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.