.
.
.
.

نطمح لمعارضة أرشد

أ. د. هشام العوضي

نشر في: آخر تحديث:

أعرفه عندما أراه (I know it when I see it) تعبير دارج يستخدمه المتحدث عندما يحاول الحكم على حدث أو ممارسة، تفتقر إلى معايير واضحة، أو محددة سلفاً. وأول من استخدم التعبير قاضي المحكمة العليا في الولايات المتحدة، بوتر ستيوارت، في 1965 تعليقاً على حكم لم يكن له سابقه. إنه عادة ما يكون تعبيراً عن الإحساس بأن شيئاً ما خطأ أو غير طبيعي يحدث، وإن لم نملك الأدلة لتبرير هذا الإحساس.
عندما أرى ما حدث في مجلس الأمة مؤخراً، أعرف بأن شيئاً ما خطأ أو غير طبيعي قد حدث. وأعرفه عندما أراه من شيئين: من الممارسات السابقة في مجلس الأمة، والممارسات الراهنة في الديموقراطيات الحديثة. في الممارسات السابقة، ومنذ أول مجلس أمة في سنة 1963، رأينا الخلافات بين النواب والحكومة، وقرأنا في مضابط الجلسات كيف اختلفوا، وعبّروا عن اختلافهم. كان هناك تأنق وذرابة، وجودة في انتقاء المفردات، وطريقة الكلام، ونبرة الصوت، ولغة الجسد. كانت رسالة أدائهم: أختلف ولكن لا اتفحّش، أتجادل ولكن لا أهبِط، أحاجِج ولكن لا أصيح. وابتكرت الممارسة الراهنة للديموقراطيات الحديثة أساليب فعّالة للتعبير عن الرأي، وايصال الرسالة أيضاً. وكان رأسمال هذه الممارسات هو الإصرار الهادئ والإرادة الراشدة، والعزيمة المتزنة، وليس التوعد المنفعل، والأوبرالية الممتعة، ولكن عديمة الجدوى.

إن وضع الكويت ليس في أفضل حال، ولكن الممارسة السياسية التي نشهدها حالياً لن تمثّل الضوء في نهاية النفق، بل هي النفق نفسه. إنني أعرفه عندما أراه: أعرف أن المجلس شهد حلين غير دستوريين في 1976 و1986، وأعرف أن الكويت ضاعت عشيّة المجلس الوطني، وحراك دواوين الإثنين، واعرف أن أجواء المنطقة ملبّدة بغيوم اللااستقرار، التي تحرمنا من رفاهية الجدل العقيم، إن كان للجدل رفاهية.

غالباً ما اتجنّب الإفراط في تحليل الشأن السياسي المحلي، لأن البعض يتجاهل الرسالة وينشغل بتصنيف المرسِل. ولكن الأمر ليس بالهزل ويستحق التحذير إبراء للذمة، فالذي يحدث لا يسر أي كويتي، أياً كان اتجاهه. وهذه ليس دعوة للسكوت عن التعبير بالرأي، ولكن في ابتكار أساليب أرشد في المعارضة، لا تودي بالبلد إلى الهلاك.

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.