.
.
.
.

اغتيال ديبي ومزاحمة تركية لفرنسا

علي شندب

نشر في: آخر تحديث:

خلط مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي الأوراق ليس على مستوى الصراع بين الأطراف التشادية فحسب، وإنما في كل منطقة الساحل والصحراء، التي ما زالت تعيش تداعيات تدمير ليبيا، النظام والدولة، بواسطة حلف شمال الأطلسي، حيث كانت فرنسا الساركوزية تتولى القيادة من الأمام، في حين أن الولايات المتحدة لعبت دور القيادة من الخلف، فيما قطر وغيرها من المستتبعين بعدوان الناتو لعبوا دور الكومبارس اللوجستي.

صحيح أن العملية الناتوية انتهت باغتيال العقيد معمر القذافي، لكن الصحيح أيضا أن هذا الاغتيال شكل البداية لتساقط أحجار الدومينو الإفريقية التي رصفها القذافي ضمن منظومة "تجمع دول الساحل والصحراء" التي شكلت قاعدة الهرم للاتحاد الإفريقي. فكان انقلاب مالي ومن ثم التمرد فيها، الحجر الثاني من أحجار الدومينو التي يبدو أن أوان سقوطها أو إسقاطها قد دخل منعرجا جديدا مع اغتيال الرئيس التشادي.

كثيرة هي الالتباسات التي وسمت مقتل أو اغتيال رجل تشاد القوي الذي استشعر حجم الانكشاف الأمني بعد تقويض أوتاد خيمة القذافي فيمّم وجهه شطر إسرائيل علّها تقيه زوابع الرياح العاتية التي أخذت تضرب تشاد خصوصا من ليبيا غير القذافية. وقد كان مثيرا ولافتا للاهتمام إبداء بنيامين نتنياهو استعداد إسرائيل للمساهمة في حماية حدود تشاد خصوصا تلك المحاذية لجارتها ليبيا.

لن يمر وقت كبير حتى تفك كامل شيفرة التحولات التي تضرب الساحل والصحراء انطلاقا من اغتيال أو مقتل إدريس ديبي، والتي كانت مقدماتها تدمير الجدار الليبي. لكن ما نحن بصدده أن قبيلة الزغاوة التي ينتمي اليها ديبي متداخلة مع جنوب ليبيا وأيضا مع إقليم دارفور السوداني العائم على بحيرة نفطية هائلة. إنه الإقليم الذي يحاول طي صفحة الحروب الدامية فيه.

إنها الحروب التي لطالما اتهم السودان قبيلة الزغاوة الحاكمة في تشاد بتغذيتها وتوفير الدعم لبعض حركات التمرد الدارفورية فيها التي وصل الأمر بأحد قادتها عبدالواحد محمد نور الى القيام بزيارة اسرائيل عام 2009 طلبا للدعم والمؤازرة.

ومن هنا تجحظ المصالحات بين غالبية الأطراف السودانية بعد خلع عمر البشير ونظامه حجم التدخل والاستثمار الاسرائيلي، ولتدخل هذه الأطراف السودانية عبر مجلس السيادة وحكومة عبدالله حمدوك في الغاء مقاطعة اسرائيل، بل انطلاق عملية التطبيع معها، كثمن مقابل رفع اسم السودان عن لوائح الارهاب الاميركية.

وقد سبق اغتيال او مقتل ادريس ديبي، اغتيال آخر لقبيلة حاكمة أخرى، هي قبيلة التغراي في اثيوبيا. إنها القبيلة التي حكمت اثوبيا سنوات طويلة وانتهى الامر باجتثاثها في عملية مشتركة بين اثيوبيا وارتيريا بعد وفاة زعيمها ورئيس وزراء اثيوبيا السابق ميليس زيناوي. وانتقال دفة الحكم الى قبيلة أخرى بقيادة آبي أحمد.

ما دفعنا الى استحضار أمر قبيلة التغراي، هو وضع مشابه يرجح أن يصيب قبيلة الزغاوة الحاكمة لتشاد. وقد أعلنت فصائل المعارضة السياسية والمسلحة عن اعتبارها تسلم ابن الرئيس المقتول مقاليد السلطة، انقلاب مؤسّساتي في تشاد. فهددت بالزحف على العاصمة انجامينا لتثبيت سلطانها المستمد من فوهة البندقية ومن عملية الاغتيال الملتبسة التي أودت بادريس ديبي وحشد غير محدد من جنرالاته وحراساته الشخصية، ما يرجح فرضيات متداولة تقول إن الاغتيال تمّ إما بقصف صاروخي موجه بالاقمار الصناعية أو بقصف طائرة مسيرة، وهما تقنياتان عسكريتان نظريا لا تمتلكهما الميليشيات المسلحة.

هذا الأمر ساهم بتكثيف الالتباس والغموض حول آلية اغتيال او مقتل ادريس ديبي، كما ساهم ايضا في توجيه اصابع الاتهام الى فرنسا، تارة بالتواطؤ، وطورا بالخذلان. لكن هل أن فرنسا وحدها من يمتلك امكانية تنفيذ مثل هذه العملية المعقدة، لاسيما وأن إعلان الجيش التشادي عن تسليم الرئاسة لنجل ادريس ديبي بدا في بعض أوجهه وكأنه انقلاب بالاغتيال الذي سُلمت فيه الرئاسة للجنرال محمد ادريس ديبي وليس لرئيس البرلمان كما ينص الدستور، ما يعني وكأن اختيار نجل ديبي للرئاسة بدا بمثابة رشوة سياسية لتغطية إزاحة والده من المشهد..

بالعودة الى الجماعات المسلحة التشادية التي ليس سرا أنها تمتلك تسليحا جيدا. فقد استفادت من الفوضى الليبية ومن مشاركتها في القتال خصوصا الى جانب أسامة جويلي المسؤول في قوات حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، انها الميليشيات التي تضم ايضا بعضا من مجاميع اثنية "التبو" التي سبق وشكلت عنصر دعم واسناد قوي لقوات حكومة السراج، والتي سبق وأحكمت سيطرتها على مدينة مرزق في أعالي جنوب ليبيا والتي استجرّ العقيد القذافي منها ومن مدينة الكفرة المحاذية لدرافور أنابيب النهر الصناعي العظيم.

هذه الميليشيات كانت جزءا أساسيا من المرتزقة التي تطلبتها الحرب الليبية، رغم أن الشهرة كانت لتلك المرتزقة من السوريين الذين جلبتهم تركيا الى غرب ليبيا وساهموا بشكل حاسم في السيطرة على قاعدة الوطية التي يقع كل غرب ليبيا وجزءا من جنوبها تحت نظر ورصد رادارات مسيرات بيرقدار التركية.

فاندفاعة الاردوغان في ليبيا والتي أوقف زحفها شرقا الخط الاحمر المصري في مدينتي سرت والجفرة، لم يرتسم اي خط أحمر أمامها خصوصا من الجزائر في غرب ليبيا وبالتالي باتت مديات تحليق البيرقدار غير معلومة على وجه الدقة. لكن المعلوم والمعروف جيدا أن أذرعة الاردوغان الناعمة قد فعلت فعلها في دول الساحل والصحراء وخصوصا تشاد وافريقيا الوسطى والنيجر التي وقعت مع تركيا اتفاقية عسكرية شاملة، ما يعني أن منافسة ومزاحمة الاردوغان لفرنسا وبعض الاتحاد الاوروبي لم تتوقف عند أمواج البحر المتوسط بل إنها ولغت في أدغال افريقيا المستعمرة الفرنسية السابقة.

انه الايلاغ الذي يفتح منطقة الساحل والصحراء على مرحلة حارقة، ستكون تداعياتها قوية خصوصا في الشرائط والخرائط الحدودية المتداخلة بين اقليم درافور السوداني كما في جنوب ليبيا وايضا في دول جوار تشاد، سيما اذا ما تمكنت المعارضة المسلحة التشادية من السيطرة على كرسي انجامينا الأمر الذي سيؤدي الى اهتزاز عدة عواصم مجاورة، خصوصا اذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأن منطقة "المثلث الصحراوي" بين تشاد، ليبيا، الجزائر، النيجر، مالي المعروفة بأدغالها الهائلة هي منطقة السيادة ما فوق العليا فيها للميليشيات المسلحة المختلفة، وخصوصا بوكو حرام والقاعدة وداعش الذين يخوضون حربا ضروسا ضد فرنسا وقواعدها العسكرية. كما إن هذا المثلث الصحراوي هو معقل مافيات التهريب، تهريب المخدرات والسلاح، وأيضا تهريب البشر والاتجار بهم وشحنهم بواسطة قوارب الموت الى اوروبا وعبر المرافئ الليبية التي يرجح أن تكتظ بقوارب المهاجرين والمهجرين بفعل الحروب التي تلبد سماء المنطقة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.