.
.
.
.

الفاتيكان ورسالة رجاء في رمضان

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

في كل عام وبمناسبة شهر رمضان الفضيل، جرت العادة أن يوجه المجلس البابوي للحوار بين الأديان، رسالة إلى العالم الإسلامي، تتوقف عند معاني الشهر الكريم، وتصل المؤمنين بعضهم بعضاً.
رسالة العام جاءت تحت عنوان «المسيحيون والمسلمون: شهود رجاء»، وفيها قدم القائمون على المجلس خالص التمنيات الأخوية بأن يكون شهر رمضان هذا العام غنياً بالبركات الإلهية والنمو الروحي؛ فالصوم الذي ترافقه الصلاة والصدقة، وغيرها من الأعمال التقوية يقربنا من الله خالقنا، ومن كل الذين نعيش معهم، كما أنه يساعدنا على الاستمرار في السير على طريق الأخوة.
تأخذ الرسالة في طريقها ما جرى للعالم عبر أكثر من عام، من جائحة تسببت في شعورنا بالألم والقلق، بالحزن والخوف لليال طويلة، وبخاصة في فترات الإغلاق، وبالحاجة إلى العون الإلهي، غير أن الأهم هو حاجتنا كبشر إلى تعبيرات ومؤشرات تظهر التعاضد الأخوي، كاتصال هاتفي، رسالة دعم وتعزية، دعاء، مساعدة في شراء أدوية أو طعام، نصيحة، وبالاختصار حاجتنا إلى أن نعرف أن هناك دوماً شخصاً لمساعدتنا عند الحاجة.
تظهر كلمات الرسالة، أن العون الإلهي الذي نحتاج إليه ونبحث عنه متعدد، وبخاصة في ظروف كتلك الناجمة عن الجائحة الحالية، فنحن نحتاج إلى رحمة الله وغفرانه وعنايته، وغيرها من الهبات الروحية والمادية، ولكن أكثر ما نحتاج إليه في أوقات مثل هذه هو الرجاء.
تشارك رسالة المجلس قيمة الرجاء مع العالم الإسلامي في أوقات المحنة؛ فالرجاء مع أنه يحوي في طياته التفاؤل، الا أنه يتجاوزه، فبينما التفاؤل هو موقف إنساني، فإن للرجاء مرتكزات دينية، فالخالق سبحانه يحبنا؛ ولذلك يرعانا من خلال عنايته، وهو يفعل هذا بطرقه الخفية التي ليست دوماً مفهومة لنا. فنحن في مثل هذه الأحوال نشبه أطفالاً متأكدين من عناية والديهم المفعمة محبة، رغم عدم قدرتهم على فهمها بالكامل.
تضيف الرسالة بعداً جديراً بالتأمل عن الرجاء الذي ينبع من إيماننا بأن كل مشكلاتنا ومحننا هي ذات معنى وقيمة وهدف، مهما كان من الصعب أو حتى من المستحيل أن نفهم سببها أو أن نجد طريقاً للخروج منها.
يحمل الرجاء معه الإيمان بالصلاح الموجود في قلب كل إنسان. فمرات كثيرة في ظروف صعبة ويأس، قد يأتينا العون وما يحمله من رجاء من أناس كانوا آخر من كنا ننتظره منهم.
تتوقف الرسالة الفاتيكانية الرمضانية هذا العام كذلك عند مفهوم الأخوة الإنسانية، التي تصبح بتجلياتها المتعددة مصدر رجاء للجميع، وبخاصة للذين هم في أي شكل من أشكال الحاجة.
تتلمس الرسالة الكثير من المظاهر الإيجابية التي أقبل عليها المسيحيون والمسلمون معاً طوال فترة الجائحة، وتشكر الله على الاستجابة السريعة والتكاتف السخي الذي بدا من المؤمنين وكذلك من أشخاص ذوي إرادة طيبة في زمن الكوارث، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان، كالصراعات والحروب، فكل هؤلاء الأشخاص وصلاحهم يذكرنا نحن المؤمنين بأن روح الأخوة عالمية، وأنها عابرة لكل الحدود العرقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وعندما نتبنى هذه الروح، فإننا نقتدي بالله تعالى الذي ينظر برحمة إلى الإنسانية التي خلقها، وإلى بقية خلائقه وإلى الكون بأسره.
تلفت الرسالة ضمن سطورها إلى أكثر من شكل من أشكال الرجاء، كما الحال بالنسبة للتغيرات المناخية، والمخاوف المحدقة بالكرة الأرضية، بيتنا المشترك، على حد وصف البابا فرنسيس، بمعنى الرجاء في أن تتنبه الإنسانية برمتها إلى حال ومآل الظواهر الطبيعية التي يمكن أن تؤثر سلباً في حياة البشرية، إن لم يسارع الجميع يداً بيد لوقف التدهور الحادث عبر الكوكب الأزرق، الذي لا يوجد له بديل حتى الساعة لحياة الإنسانية.
تحذر رسالة المجلس البابوي للحوار بين الأديان ممن تطلق عليهم أعداء الرجاء، وهم الإيمان الناقص بمحبة الله وبعنايته، فقدان الثقة بإخواننا وأخواتنا، التشاؤم، اليأس ونقيضه، أي الادعاء، التعميم المبني على الخبرات الفردية السلبية، وغير ذلك. ولهذا؛ من الواجب مقاومة هذه الأفكار والمواقف وردود الفعل بشكل ملموس، من أجل تقوية رجائنا بالله وثقتنا بإخوتنا وإخواننا.
ترتبط رسالة رمضان للعالم الإسلامي هذا العام عن الرجاء، ارتباطاً وثيقاً بالرسالة البابوية،
Fratelli tutti «جميعنا إخوة»، التي تتناول شأن الأخوة والصداقة الاجتماعية بين جميع البشر حول المسكونة، ومن غير أدنى مشروطية موصولة بالجنس أو العرق أو العقيدة، تلك صدرت عن البابا فرنسيس في 3 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2020 في مدينة أسيزي الإيطالية، وفيها تناول موضوع الرجاء مراراً بوصفه رؤية متجذرة في أعماق الإنسان، بغض النظر عن الظروف الواقعية والتاريخية التي يعيش فيها.
يخبرنا الرجاء عن التعطش، والطموح، والشوق إلى الملء، والحياة المكتملة، والرغبة في لمس العظمة التي تملأ القلب وتسمو بالروح نحو أشياء عظيمة، مثل الحقيقة والصلاح والجمال، والعدل والمحبة، الرجاء جريء؛ فهو يعرف كيف ينظر إلى ما وراء الراحة الشخصية، والضمانات الصغيرة والتعويضات التي تضيق الأفق، حتى ينفتح على المثل العليا التي تجعل الحياة أكثر جمالاً وجلالاً.
في النهاية، يدعو المجلس المسلمين والمسيحيين حول العالم إلى أن يكونوا حملة رجاء لهذه الحياة كما للحياة الآتية، وبخاصة للذين يعانون من الصعوبات ومن اليأس، وعلامة على الأخوة يؤكد القائمون على المجلس أنهم يصلون من أجل إخوتهم المسلمين، ويرسلون إليهم أفضل الأماني من أجل صوم مثمر في شهر رمضان تسوده السكينة، ومن أجل عيد فطر سعيد.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.