.
.
.
.

الفن والدراما في مواجهة الإرهاب

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

يفوق تأثير الدراما في خطاب جماعات العنف والتطرف مئة خطبة سياسية أو توجيه مباشر، نظراً الى دور الفن الساحر في تهذيب المشاعر والأحاسيس والتأثير في وجدان متلقيه، فبقدر غياب الفن عن مواجهة ظاهرتي الإرهاب والتطرف في فترات سابقة بقدر ما نجح في تفكيك خطاب هاتين الظاهرتين خلال السنوات القليلة الماضية، هذا ما نلمحه في الإنتاج الدرامي المصري الأخير عندما دخل هذا المعترك.

مسلسل "الاختيار" من أهم الأعمال الرائدة في مواجهة خطاب المتطرفين، نجح أبطاله عبر صور متحركة وحوار درامي شيق في نقل الصورة الحقيقية والواقعية لحوادث سياسية هامة مرت بها البلاد، هذا العمل جسّد الواقع واقترب من الحقيقة بزواياها المختلفة التي غابت عن بعض النّاس. أهمية هذا العمل تكمن في أنه سلّط الضوء على مواجهة الإرهاب، بينما رسم صورة واقعية له، كيف يفكر؟ وكيف يعيش؟ فضلاً عن مصادر تمويله ودعمه، وهذه المعلومات يفتقدها رجل الشارع البسيط الذي يفتقد أيضاً المعرفة الكافية التي تقيه شر هذه التنظيمات.

لا يمكن لدولة ما أن تقضي على ظاهرة الإرهاب بمفردها من دون أن يُغرد معها الشارع بكل أطيافه وطوائفه، الدولة تحمل السلاح من خلال الجهاز الأمني لمواجهة الإرهابيين، بينما يحمل النّاس أمانة الكلمة في مواجهة هذه التنظيمات أيضاً، وكلاهما لا يقل عن بعضهم بعضاً في الأهمية، ومن أهمية مشاركة المجتمع في معركة المواجهة أصبح للفن دور لا يمكن إنكارة في تأثير هذه المواجهة، بل فاق تأثيرها تخيلات الكثير.

غلب على الدراما المصرية في رمضان طابع المواجهة ومناقشة التحديات التي تؤثر في أمن البلاد والعبّاد، دراما توعوية يحتاجها المشاهد ويبحث عنها، بدت بوضوح في الجزء الثاني من مسلسل الاختيار، والذي سلّط الضوء على حوادث عاشها الشعب المصري خلال العقد الأخير، حاولت فيها جماعات العنف والتطرف وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين اختطاف الوطن ورهن أبنائه، وهو ما جسدته هذه الدراما ببراعة شديدة.

التحوّل الذي شهدته الدراما في مصر مهم، ولكن وقوفها على إنتاج أعمال فنية في رمضان فقط تناقش من خلالها التحديات التي تواجه الدولة، وفي مقدمتها الإرهاب، هو ما يجب أن يخرج من ثوبه صنّاع الدراما، فهذه الأعمال ناجحة وسوف تواجه بسيل من المتابعة والمشاهدة في رمضان وفي غيره.

مسلسل "الاختيار" جسّد الواقع واقترب من الحوادث، فشعر المشاهد بالصدق فكان النجاح الحقيقي، الصدق في كل شيء وليس في المشاهد أو الحوار بين أبطال العمل، ولكن في توظيف هذه المشاهد أيضاً، وفي الديكور، الصدق في نقل صورة واقعية عن جماعة الإخوان المسلمين تختلف كثيراً عن الصورة التي قدمت عنهم في أعمال سابقة، والاختلاف بدا في صدق الصورة من دون مبالغة قد تؤثر في قبول المشاهد أو متابعته للعمل الفني.

"الاختيار2" كان عملاً صادقاً، اختلف عن الأعمال التي تناولت ظاهرة الإرهاب في التسعينات من القرن الماضي، فأقحم فيها كتّابها حشواً عاطفياً حتى تصل رسالتهم للمشاهد، فضاعت الفكرة بين مشاهد لا قيمة لها في عمل كان يبحث المشاهد بداخله عن قيمة حقيقية، وكل ما استقر في عقله تحرش الإرهابي بسيدات وأبطال العمل!

برغم أن المصريين والعرب عاشوا الحوادث السياسية التي حكى عنها مسلسل "الاختيار2"، إلا أن العرض كان جديداً، والصورة التي نقلها كانت أشمل، والرسالة التي وصلت الى المشاهد كانت أعمق، ولهذا كان النجاح، فتابعه المصريون عن بكرة أبيهم في التفاف يندر أن يجتمع حوله المشاهد أو أن يلقى متابعته بهذه الصورة.

الدراما السياسية والتاريخية لها متابعوها، ولكنها بلا شك لا تقارن بالدراما الرومانسية أو دراما الأكشن، ولكن ما حدث مع مسلسل "الاختيار2" كان مختلفاً ولافتاً، ونقل معركة مواجهة الإرهاب داخل المجتمع خطوات الى الأمام، فالكلمة قد يكون تأثيرها في أحايين كثيرة أقوى من السلاح، وقد تكون هي سلاحاً في حد ذاتها.

تم تحييد سلاح الكلمة من خلال الفن في معركة مواجهة الإرهاب سنوات طويلة، وعند أول اختبار لهذا السلاح بدت فعاليته بصورة أبهرت الجميع ونجحت في تفكيك خطاب هؤلاء المتطرفين، والمثال بدا واضحاً في اعتصامي "رابعة العدوية" و"النهضة" في مصر، فقد نجحت جماعة الإخوان المسلمين في تحويلهما بكائية لا تختلف كثيراً عن مظلومية قتل الحسين عند الشيعة، فكانت تلطم الخدود في كل مناسبة وفي غير مناسبة، وهنا نجح التنظيم في تسويق مغالطات كثيرة عن مواجهة الدولة للإرهاب.

كنّا وما زلنا نردد أهمية المجتمع ومؤسساته في معركة مواجهة الإرهاب والتطرف، مواجهة الإرهاب مسؤولية الجميع ويبدو دور المجتمع المدني مهماً في هذه المواجهة، فعندما شارك الفن كانت الصورة كما ترون وكان التأثير فوق ما تتخيلون، وهذا ما يجعلنا نصرّ على أهمية مشاركة المجتمع الدولة في مواجهة الإرهاب.

مظلومية الإخوان التي نسجوها في روايات متعددة عن فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، كان له هدفان، أحدهما يرتبط بمحاولة تجميع "صف الإخوان" حول هدف حتى ولو كان مقتل عدد منهم، والثاني الهروب من فشل التنظيم وقادته في إدارة شؤون الدولة على مدار عام كامل، والهدف كان الهروب من المسؤولية والحساب، ولذلك لا تجد خطاباً داخل التنظيم في الوقت الراهن يطالب بمعاقبة قادة التنظيم عن التسبب في قتل الأتباع والحواريين، بعدما قرروا استمرارهم في الاعتصام.

نجحت الدراما في اختراق عالم الإرهاب والتأثير فيه، فقضت على حلم الإخوان وروايات التنظيم التي نسجها على مدار 7 سنوات كاملة، كان ذلك من خلال حلقة واحدة رصدت عملية الفض، معظم مشاهد هذه الحلقة واقعية، أخذت من مشاهد قامت منصات الإخوان الإعلامية أو القريبة منها بتصويرها ونشرها، وهنا وصلت الصورة كاملة من دون أي رتوش للمشاهد، وحق أن نرفع القبعة لكل من شارك في إنتاج العمل حتى يظهر بهذه الصورة.

اقترب الاختيار بجزءيه الأول والثاني من روح الحوادث بصورة واقعية، وإن غابت عنه بعض الجمل الحوارية التي لو وضعت على لسان أبطاله لأظهرت التنظيم بصورة أكثر وضوحاً، فالعمل الدرامي تاريخي، يركز على حدث أو حوادث عاشتها مصر في العقد الأخير، ولكن الأهم أن يظهر صورة التنظيم الحقيقية وفق سياق المعالجة الدرامية، فالإخوان المسلمون هم الأبطال الحقيقيون للعمل بجرائمهم التي فاقت التصور، بخاصة أن التنظيم نجح عبر المنصات الإعلامية التي يملكها وخلال عقد كامل الترويج لنفسه بأنه يقف في المنطقة الوسط بين العنف واللاعنف، وهو مفهوم غير دقيق عنه أو نجح في تسويقه لسنوات طويلة امتدت لعقود في مصر وغيرها من الأقطار الأخرى، وهو ما يحتاج لتفكيك اقترب منه الاختيار.

حاولت الجماعة عبر آلتها الإعلامية تصوير الدولة المصرية في صورة القاتل! بينما العكس هو الصحيح، الدولة بأجهزتها وقفت أمام حرب أهلية أدخلنا الإخوان المسلمون المتحالفون مع تنظيمات متطرفة في نفقها، وقاتلوا من أجلها، وبرغم الدماء التي أحلّها التنظيم، إلا أنه سوّق عبر إعلامه خلافها، وهنا بدت أهمية "الاختيار" في رسم الصورة الحقيقية للحوادث، وليتها اكتملت بجمل حوارية تتعدى الحدث لحوادث أخرى من خلال ربط درامي يكون قادراً على تفكيك أفكار التنظيم وخطابه.

الأعمال الإبداعية هي القوة الناعمه ذات التأثير الأقوى في المتلقي، ولذلك من المهم أن يستمر الإبداع في مواجهة جماعات العنف والتطرف، لا يُستهان بهذه القوة ولا يُقلل من شأنها، بل لا بد من أن توضع مكانها الصحيح من التأثير.

ولا بد من أن يُستفاد من الباحثين والمراقبين والمحللين السياسين في استكمال باقي أجزاء "الاختيار" وإنتاج أعمال أخرى على الغرار، بحيث يُساعد ذلك كتّاب الدراما المتخصصة التي تتناول الجماعات والتنظيمات المتطرفة، وبالتالي يكون هناك ربط بين الحدث التاريخي في سياقه، وبين التصورات الدقيقة للتنظيمات المتطرفة؛ كلما قربنا العمل من الواقع وشخوصه كان عملاً صادقاً، وبالتالى وصل الى المتلقي وترك أثره.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة