.
.
.
.

آلام التقدم!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

التقدم هو حالة يرتقى فيها الإنسان من وضع متخلف يتميز بالركود والسكون والجهل بعالمه، والرضا بما هو عليه وتخوفه الدائم من التغيير وتركه ما اعتاد عليه من الآباء والأجداد من أوضاع. ويصل به إلى وضع يتميز بالديناميكية والحركة السريعة والانطلاق إلى قمم عالية من الإبداع والمعرفة والسبق. وكثيرا ما يقاس ذلك التقدم بالنسبة للأفراد فى جودة التعليم، والعمر المتوقع عند الميلاد، والاستعداد الدائم للتغيير وقبول الجديد، والاحتفاء بما هو آت. وبالنسبة للدول والأمم لا يختلف الأمر كثيرا حيث تتغير نوعية الحياة ليس فقط نتيجة التطورات التكنولوجية المختلفة، وإنما فى استخدامها بما يوسع من المدارك، ويبعث على السعادة والرقى. وعرفت البشرية فى تاريخها فترات كما هو الحال فى العصور الوسطى الأوروبية بالظلام والركود العلمى والتشدد الدينى، ولكنها مع بدايات القرن السادس عشر دخلت فى نوبات من مغامرة استكشاف عوالم جديدة، والتجديد الدينى، وثورات فى العقل والعلم التى قادت كلها إلى سلسلة من الثورات الصناعية والتكنولوجية التى نعرفها اليوم. ومن بين هذه الثورات توجد ثورة غير ملحوظة وهى قياس التقدم ببيانات ومعلومات وضعت دول العالم أجمع فى مراتب مصفوفات التنمية البشرية والتنافسية والحرية والسعادة والابتكار والإبداع والإضافة إلى التطور الإنسانى.

فى مصر وبلادنا العربية استمرت عصور ظلامنا حتى بداية القرن التاسع عشر حينما جاءت صاعقة الحملة الفرنسية على مصر والشام من بعدها لكى نكتشف المدى الذى تقدم فيه العالم، والهاوية التى سقطنا فيها لقرون طويلة. كان التخلف عميقا إلى الدرجة التى تآكل فيها عدد سكان مصر فى نهاية القرن الثامن عشر إلى مليونين ونصف من البشر، نصفهم تقريبا من المصابين بداء الرمد وفاقدى البصر. وسواء كان الأمر فى أوروبا أو فى مصر فإن الانتقال من التخلف إلى التقدم لم يكن لا سهلا ولا سلسا، وإنما كانت فيه آلام كثيرة للخروج من الحالة التى باتت عبر قرون معتادة، وفى اعتيادها صارت ما ورثناه عن آبائنا وكفى.

«مصر الحديثة» هى العنوان المختار لانتقال مصر وشعبها من تخلف العصور الوسطى المصرية إلى دائرة تقدم العالم المعاصر. ولا يختلف أحد على أن محمد على هو مؤسس هذه الحالة من التقدم، ومن يقرأ كتاب خالد فهمى «كل الرجال الباشا» سوف يجد تلك الحالة من الألم الشديد الذى تعلمه شعب من الفلاحين لكى يندرجوا فى عملية معقدة للخروج على ما تعودوا عليه، ويكونون جيشا كان ولا يزال حتى الآن محور عملية التحديث والتقدم. لم يكن ما لدى المصريين من الألم ما هو استثناء مما جرى فى أوروبا وجيوشها من آلام للخروج من حالة دنيا من الفاقة والمرض والجهل إلى حالة أرقى من التغذية والصحة والمعرفة التى جاء منها بعد ذلك بعثات ذهبت إلى أوروبا طلبا للمزيد. الآلام فى البداية بدت وكأن عملية التقدم خارجة على الملة، وأنها تدفع الإنسان للخروج عما اعتاده من عيش فقير. ولكن الخروج من هذه الحالة فى النهاية كان هو الذى أسس لدولة حديثة بمؤسساتها وتعليمها وبزوغ هويتها المصرية الصميمة التى جعل من مصر دولة قومية من الطراز الأول بين الدول حتى ولو كانت مسيرة تقدمها تتعرض لإخفاق من وقت إلى آخر.

عقدة التاريخ المصرى الحديث كله كانت دوما تعثر التقدم الذى يجرى تحقيقه لأسباب خارجية بالاحتلال الأجنبى أو داخلية لأن كثرة من المصريين لا يريدون مغادرة ما تركه لهم آباؤهم وأجدادهم. وما يحدث فى مصر الآن عبر السنوات القليلة الماضية هو آخر حلقات السعى نحو التقدم الذى ترجمته أن تكون مصر جزءا من عصرها وليست استثناء من التقدم الذى حدث فيه. جرت ترجمة ذلك فى «رؤية مصر ٢٠٣٠»، ولكن عند تطبيق ما احتوت عليه جرت المقاومة الشديدة تحت شعار أن مصر حالة «خاصة» لا يصلح معها أن يكون سعر عملتها معبرا عن حالة السوق الحقيقية، ولا أن تترك واديها الضيق إلى البراح الواسع، ولا أن يساير تعليمها التعليم الجارى فى الدول المتقدمة. الحجة التى ذكرت فى مداولات برلمانية أخيرة هى أن مصر حالة خاصة، استثنائية، لا يصح فيها «التجريب» الذى يأتى من دول أخرى خلقها الله بمواصفات أخرى، ولا ينفع فيها «التابليت»، وشعبها وتلاميذها ليس لهم نصيب فى المذاكرة الشاقة، والبحث من خلال بنك المعلومات، أو الاستماع إلى القنوات المخصصة للتعليم، وإن من حقهم التعليم المجانى لمرات ومرات فإذا ما أضيف مرة للتحسين رسوما فلابد أن ذلك يشكل مخالفة دستورية، عجبى!

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.