.
.
.
.

فرض ضرائب على التلوث ضرورة عاجلة

د. حاتم عبدالمنعم

نشر في: آخر تحديث:

تشير كثير من الدراسات إلى انتشار التلوث بأنواعه المختلفة في كثير من دول العالم بعد الثورة الصناعية وانتشار التصنيع وتزايد السكان الكبير، مع انخفاض الوفيات نتيجة تقدم الخدمات الصحية وزيادة السكن في المناطق الحضرية، وانتشار ورخص أثمان السيارات الخاصة وغيرها من وسائل النقل مثل الدراجة البخارية أو الموتوسيكل والتوك توك وخلافه.

كل ذلك أدى لمزيد من الازدحام ومزيد من التلوث بكافة صوره سواء تلوث الهواء أو الماء أو الغذاء أو الضوضاء والعشوائيات والتلوث البصري وغير ذلك من ملوثات أدت لخسائر بشرية وصحية ومادية كبيرة في معظم أنحاء العالم.

وتشير الدراسات إلى أن تلوث الهواء فقط يؤدى إلى وفيات الملايين على مستوى العالم سنويا، كما نشر العام الماضي في مجلة فوربس أن القاهرة من أكبر مدن العالم في تلوث الهواء والضوضاء؛ ونتيجة لكل ما سبق بدأت معظم دول العالم في دراسة سبل الوقاية والحد من هذه المشكلات.

وتحركت هذه الدول في مسارين متوازيين معا لمواجهة هذه المشكلات؛ المسار الأول ركز على نشر الوعي البيئي من خلال التعليم وكافة وسائل الإعلام والتنشئة الاجتماعية للتوعية بمشكلات التلوث وكيفية مواجهتها والحد منها، ويمكن لمصر التوسع في هذا المجال من خلال تضمين مشكلات التلوث والبيئة في كافة المقررات الدراسية من المرحلة الأساسية إلى التعليم الثانوي والتعليم الجامعي والدراسات العليا في كافة التخصصات.

ثم نأتي للمسار الثاني وهو العقاب لمن يلوث أو يساهم في أحداث التلوث من خلال منظومة تشريعات متكاملة قائمة على فلسفة العدالة البيئية؛ حيث تعتمد على مبدأ الملوث هو الذي يدفع ثمن التلوث، ويتم تطبيق هذا المبدأ من خلال قيام الدولة بتحديد نسبة التلوث الناتجة عن أي آلة أو مصنع أو غيره لوحدة كمية من التلوث؛ فمثلا السيارة الصغيرة ينتج عنها 1000 وحدة تلوث والمتوسطة مثلا 1500.

وهكذا من خلال قياسات علمية دقيقة لكل شيء مصنع أو سخان أو غيره، وبعد ذلك تحول هذه الأرقام إلى ضريبة لكل وحدة تلوث مثلا تدفع جنيهًا ضريبة تلوث سنويا لكل وحدة تلوث؛ أي أن السيارة التي ينتج عنها ألف وحدة تلوث تدفع سنويًا ضريبة تلوث ألف جنيه، والمصنع الذي ينتج عنه عشرة آلاف وحدة تلوث يدفع عشرة آلاف جنيه ضريبة تلوث سنويًا.. وهكذا لكل الأنشطة التي ينتج عنها تلوث.

وتطبيق هذا القانون ينتج عنه عدة مزايا وهي أولا توفير حصيلة مالية كبيرة للدولة توجه لمشروعات حماية البيئة ومواجهة التغيرات المناخية والتشجير وخلافه من مشروعات حماية البيئة، ثانيًا فرض ضرائب على التلوث سوف يؤدي إلى انخفاض نسبته تدريجيًا، ثالثًا البحث عن الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية والمائية وخلافها وانتشار استخدامها تدريجيًا مما ينعكس على الصحة العامة للجميع، رابعًا تحقيق العدالة البيئية من خلال تحميل الملوث الثمن بدلًا من المواطنين الأبرياء.

ومصر الآن في أشد الحاجة لدراسة وتفعيل تطبيق هذا القانون وهو مسئولية وزارة البيئة والجهات التشريعية ومجلسي الشورى والنواب؛ حيث يمكن دراسة إصدار عدة تشريعات في مجال ضرائب التلوث خاصة في المجالات الآتية:

تلوث الهواء بكافة صوره؛ سواء الناتج عن وسائل المواصلات المختلفة أو المصانع أو أي مصدر آخر، وفي هذا الشأن على الدولة الإسراع في تنفيذ مشروعاتها في مجال تحويل السيارات وخاصة الحكومية والنقل العام إلى وسائل حديثة غير ملوثة أو أقل تلويثًا، مع الاستغناء عن السيارات القديمة تدريجيًا؛ بحيث لا يتعدى عمر السيارة نحو أربعين أو ثلاثين عامًا مع فترة سماح، ثم قوانين أخرى لحماية نهر النيل وتجريم تلويثه.

وهنا مشكلة عدم وجود صرف صحي لدى كثير من القرى، والأفضل أن يعمم مشروع البيوجاز لفوائده المتعددة وقوانين أخرى بشأن الضوضاء الناتجة عن أي مصدر سيارات أو مصانع أو ميكروفونات يجب حظر استخدامها.

ونأتي للأهم تلويث التربة والغذاء وأهمية وجود قوانين رادعة في هذا الشأن، مع أهمية قيام الدولة باستيراد وتوزيع الأسمدة والمبيدات، وأيضًا مطلوب تشريعات خاصة بمنع استخدام معظم أنواع البلاستيك؛ لأنها ضارة بالصحة وممنوع استخدامها في معظم دول العالم، والعودة للأكياس الورقية كما في بقية دول العالم الآن، ثم قوانين خاصة بالتلوث البصري ومنع قيام العشوائيات.

وكل ما سبق أفكار مبدئية قابلة للنقاش والتعديل والأهم سرعة الدراسة والتنفيذ.

والله ولي التوفيق

نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.