.
.
.
.

تاريخ ليس فى الظل

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

يفرض علينا مسلسل «الاختيار ٢» أو «رجال الظل» أن نتحدث بصوت عال عن بؤرة رابعة، وجرائم غلمان وبلطجية جماعة حسن البنا، لقد راح هؤلاء يتاجرون مع مجموعات تابعة لهم فى الخارج، بعملية فض تلك البؤرة، ومحاولة خلق كربلاء معاصرة منها. كربلاء غير قابلة للتكرار لأن سيدنا الحسين، رضى الله عنه وأرضاه، غير قابل للتكرار، ولا يصح أدبًا أن يجعل أحد من نفسه صنوًا لسيد الشهداء، كربلاء لا تعقد حول «الدجال». لكنه الاستثمار السياسى فى المحن، باختلاقها أو توهم حدوثها، هكذا كانوا دائمًا.

ومبكرًا جدًّا كنت أحد الذين طالبوا بسرعة إنهاء تلك البؤرة، فأنا واحد من سكان مدينة نصر وكنت أرى يوميًا عمليات الإغارة التى مارسها بعضهم على بيوت وعمارات مجاورة، شقق اقتحمت واستبيحت، أماكن عامة، مثل نادى الزهور الرياضى، تم اقتحامها وغير ذلك كثير، وكلما تذمر الأهالى من استباحة حيهم وخصوصياتهم، وحرمانهم من حرية الحركة والحياة الآمنة، كان الرد يأتى من مكبرات الصوت عبر منصتهم «احمد ربنا انت وهو.. انتم قاعدين فى بيوتكم فى التكييف وهم فى الشارع».

المسلسل التليفزيونى لن يذكر كل التفاصيل وكل الوقائع، لكنه ركز على ما نعرفه جيدا، وهو أن خطة الدولة قامت على أن يكون الفض سلميا، لكنهم- هم- من بادروا بإطلاق الرصاص، لقد حاولت الدولة إنهاء هذا الأمر وديا، لذا وجدنا تصريحا من جهةٍ رفيعة المستوى، يصدر يوم ٤ يوليو٢٠١٣، بثته القنوات والمواقع، فضلا عن الصحف، بأن الدولة لن تسمح لأحد بإهانة شباب الحركة الإسلامية، وكانت سيارات الميكروباص والأتوبيسات، تأتى محملة من الأقاليم إلى منطقة رابعة ولم يعترضها أحد، وبأذنى سمعت المنادين فى ميدان رمسيس بجوار سيارات الأجرة، على من يريد الذهاب إلى رابعة «ببلاش»،

.. وكانت المظاهرات تنطلق من رابعة فى كافة الاتجاهات، داخل مدينة نصر بل حتى رمسيس، وبلا إذن مسبق ولا تصريح قانونى، ربما عن تصور من بعض المسؤولين، أننا بإزاء مظاهرة عادية تمر، بل إن الدولة فتحت باب الوساطات والتفاوض، لكن المرشد ومن معه، فهموا أن التفاوض يعنى الضعف والعجز وليس الرغبة فى حل سلمى وديمقراطى، نعرف كذلك أن قرار الفض تم تأجيله ثلاث مرات، على أمل نجاح بعض الوسطاء من المقربين إلى الجماعة، لكن الجماعة التى تعشق الدم والمحن أرادت أن ينتهى الموقف، على النحو الذى جرى، هرب القادة جميعا وأخذوا كثيرا من السلاح معهم، بعد أن أشعلوا النيران تحرق الضباط وجنود الأمن وكذلك بعض شبانهم.، الواضح أنه كان هناك سيناريو على أن تقام ولاية فى سيناء خاضعة لهم تماما وتقام فى رابعة دولة موازية، لنتذكر أن مجلس الشورى الذى كان يترأسه صهر محمد مرسى عقد إحدى جلساته فى رابعة، وذهب بعض المسؤولين الأجانب إلى هناك، وكأننا بإزاء دولتين، لذا كان من صالحهم عدم الفض وما كانوا سيستجيبون لأى وساطة، بل كان همهم إطالة التفاوض، التفاوض من أجل التفاوض مع تخويف الدولة من أى اقتراب من رابعة، تصبح منطقة خارج سيطرة الدولة ولا تحكم بقوانينها، فعليا دولة أخرى موازية للدولة، لذا سيذكر التاريخ للرئيس عدلى منصور والدكتور حازم الببلاوى رئيس مجلس الوزراء وكل حكومته اتخاذ قرار الحفاظ على وجود الدولة المصرية.

كشف المسلسل «الدرامى» أننا أمام نقص فادح فى الأفلام الوثائقية والتسجيلية، التى تحفظ بصريا الكثير من الأحداث والوقائع.

وبعد عامين من الآن، سوف تمر عشر سنوات على تلك الأحداث التى فرضتها علينا فرضا جماعة الإرهاب، فإننا نحتاج إلى كتاب أبيض أو ملف وثائقى حول هذا الملف، يتطرق بقدر الإمكان أو ما تسمح به الظروف، إلى المسكوت عنه فى بؤرة رابعة، ويجب أن يعرفه الرأى العام، نعم هناك العديد من القضايا التى نظرتها المحاكم وقضت فيها، أو مازالت منظورة أمام القضاء، وما تضمه من شهادات واعترافات، فضلا عن التقارير والمحاضر الرسمية، تكشف الكثير، لكن هناك أمورًا أخرى عديدة، تستحق أن توضع النقاط فيها على الحروف، وتكون متاحة للباحثين وللمؤرخين، مثل:

أولًا: كم كانت النفقات اليومية على إعاشة المجموعات التى كانت فى رابعة، ومن أين وكيف تم تدبيرها، باختصار من تحملها، هل كانت من دعم خارجى أم من ممولين محليين أم كما تردد من بعض الجمعيات الخيرية التى تجمع تبرعات من المواطنين وتذهب فى النهاية إلى الجماعة؟. وفيما يخص التمويل الخارجى هل كان من أفراد وجمعيات أهلية أم عبر حكومات؟!. بعض التقديرات وصلت إلى أن الإنفاق اليومى، كان حوالى سبعين مليون دولار، تقدير آخر ارتفع بالرقم إلى أكثر من مائة مليون دولار، تشمل الإعاشة والمبالغ النقدية التى كانت تدفع للكثيرين، خاصة من جاءوا من المحافظات ومن تركوا أشغالهم ووظائفهم كى يقيموا هناك.

ثانيًا: حجم التسليح داخل رابعة، أحدهم وهو الشاب أحمد المغير ذكر أنه كان هناك سلاح كثير وثقيل يكفى لتسليح جيش بأكمله، وأن ما كان لديهم يفوق كثيرا ما لدى وزارة الداخلية، وأشار إلى أن ما كان لديهم من سلاح مثل ما هو لدى المسلحين- استعمل تعبير«الأخوة»- فى حلب وفى إدلب بسوريا. هل هناك إحصاءات ولو تقريبية حول حجم هذا السلاح وأنواعه ومصادر تصنيعه، أقصد بلد المنشأ، وكيف تحصلوا عليه، تردد وقتها أن كانت لديهم أسلحة إسرائيلية الصنع، جاءتهم من بعضهم عبر الأنفاق، وما هى قيمة هذه الترسانة من الأسلحة، شرائيا؟.

ولا يقف الأمر عند تلك الأسلحة، فهناك الأسلحة التى يسهل تصنيعها مثل زجاجات المولوتوف وقنابل المسامير وأنابيب البوتجاز المدعمة لاستهلاك المواطنين، هى جزء من قوت المواطنين ومن المال العام سرقوها هم وقاموا بتخزينها لتصبح قنابل شديدة الانفجار، على طريقة فيلم «الارهاب والكباب».

ثالثا: ماذا عن العناصر، من غير المصريين، التى شاركت فى رابعة، حين حاول الإرهابى محمد البلتاجى ذات ليلة اقتحام مقر الحرس الجمهورى فى شارع صلاح سالم، أذيع يومها على بعض الفضائيات لقطات لمجموعات من غير المصريين شاركوا فى المحاولة، كم عددهم ومن هم؟، من دفعهم نحونا ومن تكفل بهم هنا؟.

هل هى لعبة التنظيمات الإرهابية فى المنطقة والمتحلقين حول جماعة حسن البنا، أم أننا أمام شكل جديد من «لعبة الأمم»؟.

رابعًا: أتمنى أن يكون هناك رصد كامل لكل الجرائم والتجاوزات التى تمت فى تلك المناطق، سيارات مملوكة لأفراد تم إحراقها، شقق نهبت، أفراد عاديون قتلوا. جثث عثر عليها مدفونة خلف منصة الخطابة البذيئة التى كانت هناك، وكانت بعض الفضائيات تنقلها مباشرة على الهواء.

وهناك مسألة أخلاقية، وهى ما نشر وقتها، حول بعض حالات ما أطلق عليه «جهاد النكاح»، أثير الأمر على نطاق واسع فى تونس وفى سوريا وأثير بالنسبة لبؤرة رابعة، وزير داخلية تونس وقتها، تحدث علنًا فى هذه القضية، أعرف أن هناك تكتما حول هذا الأمر، الجهات الرسمية لا تريد الخوض فى الأعراض، حتى لو كان الأمر متعلقا بإرهابيين، لأن المسألة هنا تمس سمعة أسر بأكملها، وأطفال أو أبناء قد يدمر ذلك حياتهم، ولا ذنب لهم فيما ارتكبه أحد الوالدين، وهذا أمر محمود، إن الله حليم ستار، لكن للتاريخ وللتوثيق، وحفاظا على الذاكرة الوطنية، يجب أن يكون كل شىء مرصودًا وموثقًا.

يحمل المسلسل عنوان «رجال الظل»، وهناك فى العالم كله، رجال الظل، لا تسمح الظروف بأن يعلنوا عن أنفسهم، ولا أن تعلن الدولة عنهم أبدًا، الشهيد محمد مبروك مارس عمله فى الظل، لولا استشهاده ما سمعنا به ولا عرفنا عن جهده الدءوب، دفاعا عن هذا الوطن، لكن لا يجب أن تبقى بعض الأحداث الكبرى فى الظل، أقصد بعيدًا عن ذاكرتنا والوعى الجمعى. وقد ثبت تاريخيًا أن الصمت حول أى ملف، يمنح جماعة البنا الفرصة لتتحدث فيه وفق ما تريد.

والحديث متصل..

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.