.
.
.
.

خطاب "الإخوان" الدّعائي ومستقبل التّنظيم المظلم

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

قليلة هي الدراسات التي تعمقت في البحث عن أنماط العلاقات بين رموز تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي وقادته، من جهة، وعناصره وأفراده، من جهة أخرى، لكن الأكاديمي المصري الدكتور محمد شومان طرح أخيراً دراسة رصدت الجمود الفكري والسياسي لتلك الجماعة، واهتمامها الشديد بالتنظيم والتمويل على حساب التجديد في الأفكار والبرامج والسياسات، وكذلك عيوب هيكلية أفضت الى فشل التنظيم في حكم مصر، برغم نجاحه في اختطاف نتائج ما جرى في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 والانتخابات البرلمانية والرئاسية عامي 2011 و2012.

الدراسة المهمة التى صدرت عن "دار المعارف" أوضحت أن نجاح الجماعة في حصد أغلبية أصوات الناخبين كان يتم من خلال توظيف الإسلام في السياسة وادّعاء المظلومية التاريخية، لكن ذلك النجاح تحوّل فشلاً ذريعاً وتبدد بمجرد أن تمكن الإخوان من الحكم، وطبّقوا سياساتهم للهيمنة والانفراد والعمل من أجل أخونة مؤسسات الدولة والمجتمع. ومع إطاحة حكم الإخوان في 30 حزيران (يونيو) 2013 أصيبت الجماعة بصدمة هائلة، كشفت وعمقت الجمود الفكري والتنظيمي، ودفعت بها الى حالة من إنكار الواقع ومقاومته من خلال العنف والإرهاب، وشن حرب إعلامية ودعائية تفتقر الى الدقة والمصداقية.

هكذا تعمقت الأزمة الهيكلية للجماعة على مستوى الجمود الفكري والتنظيمي والسياسي، ثم أتى الفشل في التأثير في الرأي العام المصري الذي اكتشف حقيقية الإخوان وهم في الحكم كجماعة سياسية توظف الإسلام ولا تهتمّ بمشكلات الشعب أو أولويات الديموقراطية والعدالة والأمن القومي، لذلك خرج المصريون، ووقفوا الى جانب الجيش في رفض الإخوان والتصدي لمخططاتهم التخريبية.

موقف الشعب المصري حرم الإخوان، كحركة اجتماعية وسياسية، من الحاضنة الاجتماعية التي كانت تدعمهم أو تتعاطف معهم. وواجه الإخوان، كما كشفت الدراسة، أزمة غير مسبوقة في تاريخهم، فلأول مرة في تاريخ صداماتهم المتعددة مع مؤسسات الدولة، يقف غالبية المصريين ضد الإخوان، وفي الوقت نفسه اعتبرتهم الدولة المصرية ومعظم الدول العربية جماعة إرهابية، وفشلت أيضاً محاولات التنظيم لمقاومة الحكم الجديد في مصر، سواء من خلال الإنكار والتظاهر أو ممارسة العنف والإرهاب، لأن الحكم الجديد بقيادة الرئيس السيسي اكتسب شرعية من الحراك الشعبي الهائل في 30 حزيران (يونيو)، ثم دستور 2014، والانتخابات الرئاسية عام 2014.

هذا الفشل المتعدد الوجوه والمستويات تفاعل مع الجمود الفكري والتنظيمي للإخوان، وأسفر عن خلافات وانشقاقات عديدة داخل الجماعة، لأسباب مختلفة .. بعضها سياسي ومالي وإداري وتنظيمي وشخصي، وعمّق من هذه الخلافات والصراعات ارتماء أطراف الصراع الإخواني الداخلي في أحضان تركيا وقطر، وفي عناقيد الجماعات الإرهابية المتشددة في سيناء داخل مصر، حيث تعاون بعض عناصر من الإخوان مع تلك الجماعات، والتحق البعض الآخر بها، كنوع من رد الفعل على فشل الجماعة الأم، في دلاله واضحة وإثبات جديد على أن الإسلاموية الإخوانية هي المدرسة التي فرّخت ولا تزال كل عناصر التطرف والإرهاب الإسلاموي.

هذه باختصار أهم ملامح أزمة جماعة الإخوان التي لا يمكن الحديث حالياً عنها في اللحظة الراهنة كجماعة موحدة، لكن يمكن الحديث عن جماعتين وربما جماعات عدة متصارعة، وربما "ما بعد الجماعة" أو "اللاجماعة"، بمعنى زوال جماعة الإخوان واختفاؤها بحيث قد لا نجد لها حضوراً في مئوية تأسيسها عام 2028، ومع ذلك ربما ينجح بعض المنتسبين اليها في المحافظة على تمثيل رمزي للجماعة خارج مصر، في عاصمة إحدى الدول التي تدعم ما تبقى من جماعة الإخوان، وتستخدم فصائلها المتصارعة في تحقيق أهداف سياستها الخارجية التي تستهدف الأمن القومي المصري.

هذه السيناريوات توضح أن توقع مستقبل جماعة الإخوان لا بدّ من أن يعتمد على فهم وتحليل عميق وشامل لخطاب جماعة الإخوان – الفكر والقول والممارسة – اعتماداً على منهجية تحليل الخطاب النقدي، والمنهج التاريخي، إذ أدى فشل خطاب الإخوان بجموده، وتناقضاته، وإنكاره الواقع المتغير من حول الجماعة الى انهيار تجربة التنظيم في حكم مصر. ولا شك في أن خطب حسن البنا ورسائله تشكل أسس خطاب الجماعة بسماته الهيكلية من جمود، وغموض، وتركيز على التنظيم والوحدة والتماسك، إضافة الى البراغماتية الشديدة، فالخطاب الإعلامي – الدعائي للإخوان هو نفسه الخطاب الدعوي بل والسياسي للجماعة، فالأول يجسد الثاني ويتبعه بالكامل، غير أن الخطاب الإعلامي والدعائي يظل أكثر براغماتية وغموضاً من خطاب الجماعة الداخلي.

وظل الخطاب الإعلامي – الدعائي لجماعة الإخوان يتبع رؤية حسن البنا، برغم تطوّر تكنولوجيا الاتصال وامتلاك الجماعة لعشرات المدوّنات والصفحات الإخبارية على الإنترنت واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالى ظل، برغم كل التطور التكنولوجي والمهني، مرتهناً وتابعاً لخطاب الجماعة ومجسداً لرؤية حسن البنا، وهو ما يقدم أحد أهم أسباب جمود الخطاب الإعلامي والدعائي وفشله.

تجدر الإشارة هنا الى اعتماد الجماعة كثيراً على الأنشطة الدعائية والإعلامية بعد عودتها الثانية أو ميلادها الثاني في منتصف السبعينات، عندما سمح الرئيس السادات بعودتها من الخارج حيث ظهر الاهتمام الكبير والمطرد بالأنشطة الإعلامية والدعائية، والتي تمحورت في بداية العودة حول مجلة الدعوة، والتي جسدت خطاب الإخوان وروّجت له من دون أي تجديد حقيقي أو إضافة سوى التوسع في الترويج لفكرة المظلومية التاريخية على الإخوان كجماعة تعرضت لمحن ومطاردات في العصر الملكي ثم في عهد عبد الناصر والسادات.

اللافت أن الخطاب الإعلامي – الدعائي للإخوان والذي يجسد موقفها من انتفاضة 25 كانون الثاني (يناير) ومنهجها البراغماتي في التعامل مع الحوادث مكّنها، برغم جمودها الفكري وشيخوخة مكتب الإرشاد، من تبني وسائل الإعلام الجديد من مدوّنات ومواقع إخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي في بث خطابها وترويجه، إضافة الى وسائل الإعلام التقليدية وشبكات الاتصال المباشر. لكن خطاب الإخوان كما جسده خطابهم الإعلامي الدعائي، فشل في التأثير في الرأي العام أثناء حكم الإخوان وبعد 30 حزيران (يونيو)، برغم دعم قنوات قطر وتركيا وإطلاق قنوات فضائية وإطلاق حرب شائعات ممنهجة ضد الحكم في مصر.

أخيراً كشفت الدراسة أن الخطاب الإعلامي – الدعائي للإخوان بمواقفه وتحولاته هو خطاب جامد ومغلق على نفسه، ينطلق من رؤية قديمة وجامدة لحسن البنا عن دور الصحافة والدعاية في عصره، وقد عكست هذه الرؤية أيضاً براغماتية البنا ونزعته العملية التي تشرعن وتبرر الاستخدام المشروع وغير المشروع للصحافة والدعاية في تحقيق أهداف التنظيم. ويمكن القول إن هذا الخطاب لم يتغير أو يتطور في منطلقاته وأسلوبه وغاياته، برغم تطوره الكمي واعتماده على تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة!! من هنا فإن خطاب الإخوان الإعلامي – الدعائي في الألفية الجديدة وأثناء حوادث 25 كانون الثاني (يناير) وبعدها وحتى اللحظة الراهنة، هو تقريباً الخطاب الإعلامي – الدعائي نفسه للإخوان عند عودتهم الثانية الى مصر في نهاية السبعينات، وليس بين الخطابين تحولات أو تغيرات عميقة، ربما باستثناء بعض التشدد وغرور القوة وإنكار الحقائق التي ظهرت في خطاب الإخوان الإعلامي – الدعائي في الألفية الجديدة، ما يؤكد جمود خطاب جماعة الإخوان وأزمته الهيكلية، كخطاب أيديولوجي مغلق على نفسه، مسلّماته هي أهدافه وغاياته.

وبغض النظر عن النقاشات النظرية حول الإعلام والدعاية، فإن هناك مؤشرات كثيرة مدعومة بادلة من الممارسات الإعلامية والدعائية للإخوان، تؤكد أنهم كانوا دائماً أبعد عن تحقيق الحد الأدنى من القواعد المهنية في نقل الأخبار والمعلومات أو حتى نقل الآراء، لأن خطاب الجماعة هو خطاب أيديولوجي دعوي منغلق على نفسه، لا يقبل الآخر، وغير مستعد لمراجعة قناعاته الفكرية عن المؤمراة الغربية – الصليبية –الشيوعية ضد الإسلام وجماعة الإخوان، وعن المظلومية التي يعاني منها الإخوان، وبالتالى ادعاء دور الضحية.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.