.
.
.
.

أرامكو 2030

وائل مهدي

نشر في: آخر تحديث:

يعجبني كثيراً عندما يتحدث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن مستقبل شركة أرامكو السعودية لسببين؛ الأول لأن مستقبلها يرتبط بمستقبل النفط، ومستقبل النفط مرتبط بمستقبل هذا البلد. أما السبب الثاني فهو أن أرامكو السعودية كانت صندوقاً أسود قبل عهد رؤية السعودية 2030، وكل ما نعرفه عن استراتيجيتها ومستقبلها لا يتعدى الحديث عن الاستراتيجية التشغيلية أو التجارية، بمعنى أن كل ما كنا نعرفه عنها في أحسن الظروف هو مجموعة من مشاريع الغاز والنفط في قطاع المنبع والمشاريع التحويلية في قطاع المصب.
وبالأمس كان حديث الأمير محمد عن أرامكو ليس سابقة، حيث سبق له أن فاجأ الشارع السعودي في 2016 بحديثه عن اكتتاب أرامكو وخططها المستقبلية. وما اختلف في حديثه السابق عن حديثه بالأمس هو توضيحه لوضع أرامكو في السياسة العامة للدولة واستراتيجية الشركة العامة، إذ أصبح المواطن يعرف مصير هذه الشركة المهمة في حياته.
إن أرامكو قبل الرؤية كانت شركة تشغيلية بحتة لحقوق الامتياز وكانت تموّل الدولة، وفي الوقت ذاته كانت تسعى لبعض التحديث والابتكار للبقاء على قيد الحياة لسنوات أطول وسط ما يشهده العالم من مخاوف لوصول الطلب على النفط إلى الذروة في الأعوام الخمسة إلى العشرة المقبلة.
أما أرامكو الحالية بعد 2030، فهي شركة مساهمة تجارية لها أهداف ربحية، وهي أداة لتعظيم الدخل القومي القائم على الاستثمار في القطاعات غير النفطية، وتتماشى كل أهدافها مع توجه الدولة لتصبح المملكة منتجاً للطاقة وليس منتجاً للنفط. ولكي أوضح الفكرة بصورة أفضل، لنتناول مثالاً على التحول الذي صاحب تطوير حقل الجافورة للغاز غير التقليدي (الغاز الصخري) الذي يعد من أكبر مشاريع الشركة القادمة في إنتاج الغاز الطبيعي، حيث يوجد بالحقل نحو 200 تريليون قدم مكعب من الغاز.
قبل الرؤية كان الجافورة مصمماً لكي يذهب إنتاجه لتلبية الطلب المحلي على الغاز، وفي أحسن الحالات كان سيستخدم هذا الغاز أو جزء منه للتصدير في صورة غاز طبيعي مسال، والهدف من هذا التوجه واضح وهو تقليل استخدام النفط محلياً وتوفير كميات أكبر منه للتصدير، وكذلك إيجاد سوق جديدة لأرامكو في الغاز المسال. كل هذه التطورات كانت عبارة عن تطورات خطية أو أفقية وليست تطورات غير خطية أو رأسية.
مع الرؤية، أصبحت أرامكو جزءاً من استراتيجية استثمارية كبرى، ولهذا تغيرت النظرة للجافورة الذي يبلغ طوله 170 كيلومتراً، وسيتم استخدام غاز الجافورة لإنتاج الهيدروجين الأزرق، وسيوفر الإيثان وسوائل الغاز الطبيعي منه مصدراً مهماً لتوسعة إنتاج المملكة من المواد البتروكيماوية. بإنتاج الهيدروجين الأزرق فتحت المملكة سوقاً جديدة واعدة ومعها ستزدهر صناعة كاملة للسيارات القائمة على الهيدروجين، وفي الوقت ذاته سوف تتخلص المملكة من الآثار السلبية للغاز والمواد الهيدروكربونية على البيئة، إذ إن الهيدروجين الأزرق أقل ضرراً بنسبة كبيرة جداً على البيئة، ما يجعله مناسباً لكي يكون وقود المستقبل، مع تقدم تقنيات إنتاجه وانخفاض تكلفته.
وقبل الرؤية، كانت أصول أرامكو السعودية غير مستغلة بصورة تجارية واستثمارية كاملة، أما الآن فإن الشركة تبحث عن شركاء للدخول في مشاريع لها، وتمكنت مؤخراً من إتمام صفقة استثمارية في نشاط نقل النفط ستعود على الشركة بنحو 12 مليار دولار تقريباً، ما جعل شهيتها تنفتح على فعل الأمر ذاته مع نقل الغاز. ومؤخراً، ترددت أخبار بأن أرامكو تدرس بيع حصص في حقولها غير الرئيسية لمستثمرين. وكلنا ما زلنا في انتظار معرفة من هو الشريك العالمي القادم الذي تحدث عنه ولي العهد والذي يتفاوض لشراء حصة واحد في المائة من أسهم الشركة (قد تعادل 19 مليار دولار)، والذي أتصور أنه سوف يكون من إحدى الدول المستهلكة الكبرى للنفط السعودي خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، حيث يتزايد العداء تجاه الاستثمار في المواد الهيدروكربونية (القائمة المحتملة لكبار المستهلكين هي الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان).
هذه هي التحولات التي طرأت على أرامكو السعودية، والسؤال الذي يود الكثيرون معرفته هل هذا أمر جيد أم لا؟ من وجهة نظري، أن أفضل ما حدث لأرامكو السعودية، هو الرؤية وبيع أسهمها في اكتتاب عام، لأن هذا جعلها تلعب بنفس قواعد اللعبة التي تلعب بها إكسون موبيل وشل وتوتال وبريتيش بتروليم. من ناحية أخرى، لم يعد هدف أرامكو البقاء لسنوات أطول، بل في تغيير المستقبل من خلال التقنية والابتكار بشكل عملي وعلى نطاق موسع. وحتى لا نظلم الشركة، فإن جهودها قديمة في الابتكار ولكنها كلها خطية وأفقية مثل مشروع تحويل النفط إلى الكيماويات مباشرة، أو مشروع تحسين استهلاك محركات السيارات للوقود. بالنسبة للمواطن، فإن أرباح أرامكو لن تذهب للاستهلاك المحلي، بل للاستثمار في قطاعات أخرى توفر مجالات أوسع للتحول الاقتصادي الذي انطلق مع الرؤية قبل خمس سنوات وما زال مستمراً.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.