.
.
.
.

بدو المسلسلات

بداح السبيعي

نشر في: آخر تحديث:

تصوير البدوي العربي على أنه كائن فوضوي شديد التوحش والتعطش للقتل والنهب والسلب تصوير متحيز كرسته كتابات الرحالة والمستشرقين الغربيين القدامى، وسبق أن أوردنا ملامح من صورة البدو في مؤلفات أولئك القوم في استعراضنا لكتاب (البدو بعيون غربية) للأستاذ عمار السنجري، ورأينا كيف تتحول محاسن البدوي كالشجاعة والكرم وغيرها إلى مساوئ وصفات يُذم بها. كما تعرفنا على الأساليب التي استخدموها لتكريس الصورة السلبية في أذهان القراء الأجانب الذين لم يكن متاحاً لهم آنذاك التعرف على حياة البدو وثقافتهم إلا من خلال تلك الكتابات. ومن أبرز الأساليب ذكر «أقوال وتصرفات تصدر عن البدوي مع تجاهل تفسيرها تفسيراً واضحاً لتتضح الرؤية أمام القارئ الغربي»، وكذلك ذكرهم «لبعض التصرفات التي يفعلها البدوي على أنها عادات تستدعي الاستهجان، مع أن لها علاقة وثيقة بدين المسلم»، والتقاطهم «لبعض الشائعات المضللة وتسجيلها وتناقلها بينهم وكأنها حقائق»، إضافة إلى الكتابة عن البدو بأحكام مسبقة اعتماداً على كتابات غير واقعية لرحالة سابقين.

وإذا كنا لا نجد كبير غرابة في سعي الرحالة الغربيين لتعزيز صورة سلبية للعربي البدوي فإن كثير من المشاهدين يبدون استيائهم واستغرابهم من الصورة الهزلية التي تكرسها المسلسلات البدوية وأغلب المشاهد الكوميدية التي تصور حياة البدو في المسلسلات الرمضانية، لاسيما أن مَن يكتبون تلك الأعمال كتاب عرب يسهل على من لم يدرك حياة البادية منهم التعرّف عليها بوضوح بمقابلة الأشخاص الذين أدركوا تلك الحياة، أو بالاطلاع على مؤلفات ووثائقيات دوّنت أو سجلّت حياة البدوي وشخصيته بدقة.

كان يعاب على المسلسلات والمشاهد التمثيلية عن حياة البدو تحدّث الشخصيات بلهجات لا يتحدث بها البدو في أي مكان، أو ارتداء أزياء غريبة عن ذلك المجتمع، أو الزعم بوجود عادات لم تكن موجودة في مجتمعات البدو، أمّا اليوم فقد تطور الأمر وأصبحت جميع الشخصيات البدوية التي تصورها المسلسلات شخصيات هزلية في غاية الغباء والسذاجة، حتى شيخ القبيلة الذي كان يضرب به المثل في الحكمة والدهاء تحوّل فيها إلى شخص سطحي يتمحور اهتمامه حول قهوته ونسائه والقصائد التي يمدح بها!

هناك الكثير من المؤلفات التي دوّنت سير شخصيات بدوية عظيمة عاشت في الصحراء كشيوخ القبائل والشعراء والحكماء والفرسان وغيرهم، وتوظيف عناصر من حياة مثل هذه الشخصيات في المسلسلات، حتى لو كانت كوميدية، أمر لا يعد صعباً إذا ما وجد الكاتب المميز، لكن ضعف الكُتاب في هذا الجانب وتوهمهم أن الشخصيات الهزلية هي فقط القادرة على إثارة الضحك تفسد المسلسلات، وتكرس من الحضور السلبي لشخصية البدوي، كما تكرس أنماطاً سلبية لشخصيات أخرى أو فئات أخرى من فئات المجتمع.

أخيراً أجزم أن مستوى المسلسلات سيتحسن كثيراً إذا ما تخلى كتاب السيناريو عن الاعتقاد بأن حشد الشخصيات الهزلية والسطحية أمر يخدم العمل ويساهم في استمرار المشاهدين في الضحك، فهذا الاعتقاد العجيب يؤكد على سذاجة الكاتب، وعلى أن تفكيره أكثر سطحية من شخصياته.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة