.
.
.
.

عراقة اليمن وشعبه

محمد سالم البلهان

نشر في: آخر تحديث:

يستحضر الانسان الحي أحيانا ذكريات كثيرة تقادم عليها الزمن إلا أنها تبقى راسخة في مخيلته لا تنجلي، من تلك الذكريات ذكريات جميلة عايشتها خلال فترة وجودي سفيراً للكويت في بلاد آباء العرب والعروبة اليمن الشقيق في صنعاء.

الذي يلفت الانتباه ويشد ذهن كل زائر لهذا البلد العريق، خاصة مدينة صنعاء ما يحمله الرجال الذين يتجولون في الأسواق من أسلحة نارية وذخيرة حية متمنطقين بالشعار اليمني (الجنبية)، وهي عبارة عن خنجر معكوف يرمز إلى الشجاعة والشرف.

يشاهد الرجل الصنعاني حاملا كل تلك الذخيرة منطلقاً بحرية دون اعتراض من أحد ولا من السلطات الأمنية يتجول بين الناس في الشوارع والطرقات، ومن الأخلاق الحميدة التي يصنف بها الإنسان الرجل اليمني الصنعاني هي عدم استعمال تلك الأسلحة ضد الآخرين حتى لو نشب بينه وبينهم خلاف، لأن استعمالها بصورة سهلة يوصف صاحبها بأنه «عديم الرجولة»، وإنما يحق للإنسان اليمني المحمل بتلك الآليات الفتاكة استعمالها في حالات الضرورة القصوى كالدفاع عن النفس أو عن حياض الوطن.

إن هذا التصرف الإنساني الكريم إن دل على شيء فإنما يدل على عراقة هذا الإنسان اليمني الصنعاني الذي من صفاته الإنسانية العظيمة التي يفتخر بها أنه لا يحب أن يغتاب الغير، فهو لا يتعرض لأي إنسان في غيابه أو بالتشهير به أو اتهامه بصفات مشينة حتى لو كان ذلك الانسان عدوا له. ومن عاداته الحميدة لا يعطي غيره ما لا يستحق من تقدير واحترام حسبما يلمسه منه من تصرفات إنسانية خلال معاملته له.

«الحيمة» احدى ضواحي مدينة صنعاء، تقع على جبل في نهاية الطريق المؤدي من صنعاء إلى مدينة الحديدة، تطل على صنعاء بكل ما فيها من جمال ورونق.

بمعية صديقنا الراحل السفير السابق محمد عبدالسلام صبرة، ونحن في طريقنا من الحديدة إلى صنعاء، مررنا بالحيمة لزيارة قصيرة لصديقنا الشيخ حمود شيخ مشايخ الحيمة الذي دعانا إلى تناول القهوة في ديوانه العام. وبعد انتهائنا من شرب القهوة والسلام عليه وشرب الشاي الصنعاني المعروف، وقد كانت الشمس تميل إلى المغيب وراء جبال اليمن الشاهقة، وقفنا لوداعه في طريقنا لصنعاء، إلا أن الشيخ حمود أبى ورفض بل انتصب أمامنا واقفاً وقد ألقى بجنبيته التي في وسطه على الأرض وأشار إليها بأصبعه وهو يقول: هذا الذي بيني وبينكم إذا لم تقبلوا دعوتي لكم للعشاء معي هذه الليلة.

وبما أنني كنت ملتزماً قبول دعوة أحد الزملاء السفراء على العشاء في صنعاء، وكذلك كان معي، مدعواً، الأخ السفير محمد صبرة، سألته: ما الحل؟ قال: ليس هنالك حل في العرف اليمني بعد أن ألقى الرجل بجنبيته على الأرض، وهذا يعني أن الأمر يصل إلى لا نهاية له لو رفضنا دعوته، وما علينا إلا أن نقبلها، ولا شك ان صديقنا السفير الذي دعانا أولا، قد يقبل الأسباب التي دعتنا عدم حضور حفلته وقد يعذرنا، خاصة أنه على علم بعادات وتقاليد أعراف أهل اليمن والصنعانيين بصورة خاصة..

عادات وتقاليد أصيلة لم ولن يمحوها الزمن ولم يغيرها الزمان، أهل اليمن عرب حقاً اجداد العرب والعروبة وصدق من قال: «لا بد من صنعاء وإن طال الزمان».

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.