.
.
.
.

أميركا والصين.. الصراع الدولي الجديد

عبدالله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

الصراع الدولي الأكبر والأكثر خطورة اليوم هو الصراع بين الصين وأميركا، ولكل طرفٍ حلفاء وشركاء، ونقاط قوةٍ وضعفٍ، وقد تحدث هنري كيسنجر قبل يومين (السبت الماضي) عن هذا الصراع، قائلاً: إن «التوتر بين الولايات المتحدة والصين يهدد العالم بأسره وقد يؤدي إلى نزاع غير مسبوق بين الدولتين العملاقتين عسكرياً وتقنياً».
أهمية ما يقوله كيسنجر في هذا الموضوع تحديداً تكمن في قيمته كمفكر ودبلوماسي، وأنه هو مهندس الزيارة التاريخية للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لبكين منتصف السبيعنيات، وأنه منذ ذلك الحين ظلّ مرتبطاً بكل الملفات السياسية والاستراتيجية الكبرى حول العالم.
الصين صاعدة بسرعة في التأثير الدولي وأميركا والدول الغربية تتباطأ حتى لا نقول تتراجع، ومثل هذه التعبيرات التي تحاول قراءة الحراك السياسي في التاريخ لا تعني اليوم أو غداً، فهو حراك يمتد لعقود من الزمن، فلا شيء بهذا الحجم يحدث فجأةً.
أميركا والغرب يمارسون ضغوطاً على الحلفاء ويتفاوضون مع الأعداء، وهذه ليست الطريقة الأمثل في العلاقات الدولية، بينما الصين تتفهم حاجات الدول وسياقاتها الحضارية، ولا تسعى للتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول.
حجم التناقضات في السياسات الغربية في تعاملها مع الحلفاء مقارنة بتعاملها مع الخصوم يوضح تناقضاتٍ صارخةٍ ومنافقةٍ أحياناً فيما يتعلق بالمبادئ الإنسانية الكبرى التي تتبناها تلك الدول والتناقضات تأتي عندما تتدخل المصالح الكبرى في المعادلة.
كما تحدث كيسنجر صادقاً، فإن الصراع مع الصين يختلف عن الصراع السابق مع الاتحاد السوفييتي. فالصين قوة اقتصادية هائلة، وهي تتقدم في المجالات العسكرية والتكنولوجية ودول العالم ترقب هذا الصراع، وتتخذ مواقعها منه بناء على مصالحها الذاتية وعلى تطورات الصراع المستمرة.
في ظلّ رؤية «الانسحاب» و«الانعزالية» التي تسيطر على صناعة القرار في أميركا، فإن هذا الانسحاب يخلق فراغاً سياسياً في توازنات القوى يجب أن يتمّ ملؤه، وروسيا جاهزة لملئه، سوريا نموذجاً، والصين أكثر جاهزية من روسيا ويمكن متابعة تطورات مبادرتي «الحزام» و«الطريق» الصينيتين وعدد الدول المنضوية فيهما لمعرفة الاتجاهات المستقبلية في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
الصين وعلى مدى عقود ظلّت تبني قوتها الاقتصادية والتنموية والعسكرية بهدوء، وبعيداً عن الصراعات الساخنة التي ميزت مرحلة الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفييتي، والملاحظ اليوم هو أن شعور الصين بتزايد قوتها وثبات تصاعدها المستمر مع شعور بتراجع الدول الغربية، جعلها تنتقل من ذلك الهدوء إلى تصريحات ومواقف وسياسات أكثر صراحةً وصرامةً.
بالأمس أعلنت النائبة الأولى لوزير الدفاع الأميركي، كاتلين هينكس، «أن الولايات المتحدة لا تعتبر النزاع المسلح مع الصين أمراً محسوماً، إلا أنه يتعين على الدولتين محاولة تجنب تصعيد التوترات غير الضرورية في العلاقات الثنائية»، بينما شدد وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، الجمعة الماضي على «استعداد بلاده لصراعٍ محتمل في المستقبل، لا يشبه كثيراً (الحروب القديمة)» ودعا «إلى حشد التقدم التكنولوجي وتحسين دمج العمليات العسكرية على الصعيد العالمي من أجل (الفهم بشكل أسرع، واتخاذ القرار بشكل أسرع، والعمل بشكل أسرع)».
فهم الصراعات الدولية لا يقتضي أن تكون طرفاً فيها، بل أن تكون مستعداً للتعامل معها ومع تطوراتها ودول المنطقة والعالم ترقب مثل هذا الصراع الدولي الكبير، وتحدد مواقع أقدامها وتفرز التحديات والفرص التي تنشأ عنه لتعاملٍ أفضل.
أخيراً، فليس من غرض هذا السياق التقليل من طرفٍ دوليٍ أو تضخيم طرفٍ آخر، بل المقصود الأساس هو فهم هذا الصراع القائم، والذي يتطور بشكل مستمرٍ لأن تطور التاريخ البطيء يحتاج إلى رصدٍ وتحليلٍ لقراءة تأثيراته المستقبلية.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.