.
.
.
.

مايو ١٩٧١.. نصف قرن

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

يمر هذا الشهر، مايو ٢٠٢١، نصف قرن بالتمام والكمال على أحداث مايو ١٩٧١، أو «ثورة التصحيح»، وفق التعبير المفضل لدى الرئيس السادات وقتها، وفى الصحافة كان يطلق عليها ثورة ١٥ مايو، باعتبار أنها الثورة التى تجُبّ ثورة ٢٣ يوليو ٥٢، ومن حسن الحظ أن بعض أطراف تلك الأحداث مازالوا بيننا، متّعهم الله جميعًا بالصحة، مثل السادة سامى شرف، وزير شؤون رئاسة الجمهورية وقتها، مدير مكتب الرئيس للمعلومات، ومحمد فائق، وكان وزيرًا للإعلام، والأستاذ الدكتور مفيد شهاب، وكان مسؤول منظمة الشباب، وقد أدخلهم الرئيس السادات السجن، وهناك كذلك السيدة جيهان السادات.

والذى حدث أن السادات عزل على صبرى يوم ٣ مايو ٧١، وحدد إقامته بالمنزل، بعدها بأيام تقدم حوالى ١٣ وزيرًا ومسؤولًا كبيرًا باستقالاتهم إلى الرئيس، وأذاع التليفزيون خبر الاستقالة، قبل أن يبِتَّ فيها الرئيس، وهكذا اعتبرها الرئيس السادات مؤامرة عليه، وجرت محاكمتهم هم وعدد آخر من كبار المسؤولين بتهمة التآمر وتهم أخرى عديدة، وشَنَّ السادات هجومًا إعلاميًا ضاريًا عليهم.

فى الصحف، تم الحديث عن مؤامرة كانت تستهدف حياة السادات شخصيًا والاعتداء على منزله بالجيزة، وتم الحديث كذلك عن أن على صبرى ومجموعته كانوا أداة سوفييتية ضد الدولة والرئيس وذكر الكثير من التفاصيل فى هذا الأمر، وامتلأت الصحف بعشرات الحكايات غير المُوثَّقة، وبعضها كان فى حقيقته مسيئًا للدولة ذاتها، وحكايات أخرى عن سوء استغلال النفوذ، وأطلق عليهم «هيكل» مصطلح «مراكز القوى»، واستعمله السادات كثيرًا.

كان على صبرى نائبًا لرئيس الجمهورية، وكان أمين اللجنة المركزية بالاتحاد الاشتراكى العربى، وكان قوى الشكيمة، لعب دورًا مهمًا فى الإعداد لثورة يوليو، بتكليف من عبدالناصر، وتولى العديد من المناصب، من بينها رئاسة مجلس الوزراء، وكان يُنظر إليه باعتباره رجل السوفييت، ولم يكن ذلك دقيقًا.

التوصيف الدقيق لما حدث، كما ورد فى الصحف الغربية، أنه كان صراعًا بين رجال عبدالناصر من ناحية والسادات من ناحية أخرى، وكان ذلك تبسيطًا مُخِلًّا لأن الرئيس السادات ومَن وقفوا إلى جواره كانوا جميعًا من اختيار عبدالناصر ورجاله المخلصين أيضًا. وقف إلى جواره محمد حسنين هيكل وسيد مرعى ومحمود فوزى ومصطفى خليل وممدوح سالم والفريق محمد أحمد صادق وغيرهم، وهم جميعًا كانوا يحظون بثقة عبدالناصر. ربما كان تعبير لويس عوض هو الأقرب إلى الصحة، حيث اعتبره صراعًا بين اليمين واليسار فى ثورة يوليو.

الرئيس السادات تحدث حول هذا الأمر كثيرًا، وكان يلقى خطابًا سنويًا فى ١٥ مايو. عقب الأحداث مباشرة، قال السادات مُحتدًّا: (اللى هيعارضنى هافرمه)، وقد وجدت تلك العبارة صدى كبيرًا فى الشارع، الذى كان مؤيدًا بقوة للرئيس. كان هناك دواء منتشر وقتها لنزلات البرد والصداع، كان اسمه (إنتر فورم)، بعدها صار اسمه بين الناس (أنور فورم)، نذهب فى طفولتنا إلى الصيدلية ونطلب قرصين «أنور فورم».

وفى كتاب «هيكل»، الذى أصدره بالإنجليزية «الطريق إلى رمضان»، فصل كامل حول أحداث مايو، وأكد فيه أنهم كانوا يستعينون بأستاذ قانون فى «حقوق عين شمس»، مشهور بتحضير الأرواح، وكانوا يطلبون منه تحضير روح الزعيم عبدالناصر ليسألوه فى بعض الخطوات، لم يطبع «هيكل» الكتاب مرة ثانية، واستبدله بكتاب آخر عن حرب أكتوبر، استبعد منه ذلك الفصل نهائيًا، وهناك كتاب موسى صبرى «وثائق ١٥ مايو»، فضلًا عن السيرة الذاتية للسادات، وكذلك هناك حوار مُطوَّل أجراه عبدالله إمام مع على صبرى، وصدر فى كتاب مستقل، ثم حوار آخر نشره الناقد غالى شكرى معه، سنة ٩٠، وكذلك سيرة سامى شرف فى خمسة أجزاء، بينها جزء عن أحداث مايو، وشهدت السنوات الأخيرة مذكرات عدد من الشخصيات السوفييتية (الروس)، وكانوا على صلة قوية بمصر وما يجرى فيها، مثل «بريماكوف»، الذى كان رجل المخابرات السوفييتية فى سفارتهم هنا، وكان يعمل بغطاء صحفى، مراسل جريدة «البرافدا» فى القاهرة. كان صديقًا لعدد من كبار الصحفيين والكُتاب فى القاهرة، بحكم عمله، مثل محمد سيد أحمد وفيليب جلاب ومحمد عودة، رحم الله الجميع. أصبح «بريماكوف» رئيس وزراء روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتى، وكان يُجيد العامية المصرية، ويعرف مصر جيدًا جدًا، وكذلك مذكرات السفير فى القاهرة «فينو جرادوف» وغيرهما.

فى السنوات الأخيرة من حكمه، انشغل السادات بقضية السلام، وتناسى مراكز القوى وحكاياتهم، وفى سنة ٨١، أغلق السادات هذا الملف نهائيًا، وأفرج عن على صبرى وسائر مَن كانوا فى السجن منهم، وتحدث عنهم متسامحًا، وكان أقرب إلى الود، من قبل كان يتوتر لمجرد ذكرهم، وبالمثل فإن حديث على صبرى مع غالى شكرى سنة ٩٠ كان هادئًا. صحيح ظل الخلاف مع سياسات السادات، لكن بنبرة تسامح شديدة، وربما كان اغتيال السادات سببًا. سامى شرف ذكر أنه شعر بالحزن الشديد، وطفرت الدموع من عينيه حين علم بنبأ الاغتيال. تُرى ماذا لو امتد العمر بالسادات، خاصة أنه أدرك الخطورة الحقيقية على حياته وعلى الدولة بالفعل، والتى مثلها الإرهابيون، بينما أقصى ما فعله رجال الاتحاد الاشتراكى أن يرفع أحدهم صورة عبدالناصر حينما يتحدث هو أو أن يتعمد على صبرى إطالة النقاش فى اجتماع الاتحاد الاشتراكى، فيجور على وقت الرئيس فى الحديث؟.

لكن هل كانت هناك مؤامرة بالفعل فى مايو ٧١ ضد الرئيس السادات، أم كنا بإزاء صراع على السلطة أم خلاف سياسى حاد أُدير بأسلوب غير ديمقراطى على الناحيتين، أو لعلها كانت طبيعة الظروف وقتها، وكانت ضاغطة على الجميع، الرئيس السادات وكذلك كبار رجال الدولة معه؟.

الحق أن الرئيس السادات نفسه نفى- ضمنيًا- حكاية المؤامرة، ولكن بعد تحقيق انتصار أكتوبر، حيث أفرج عن الفريق محمد فوزى، وزير الحربية، سنة ٧١، وتحدث بتقدير عن دوره فى إعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو، وقال بتأكيد قاطع: «فوزى مش بتاع مؤامرات وماكانش متآمر»، ومعنى هذا أنه لم تكن هناك مؤامرة، فإذا كان وزير الحربية ورئيس الأركان بعيدين تمامًا، فإن الأطراف الأخرى لم يكن أمامها سوى محاولة إحراج الرئيس أو تجاوز قواعد البروتوكول فى طريقة الحديث، وهذا ما فعله على صبرى فى اجتماع اللجنة المركزية، وبحضور السادات. سمعت من د. مفيد شهاب أن على صبرى التقاه مرة فى فناء السجن، فاندهش لوجوده، لم يكن وزيرًا ولا محافظًا، وجلسا يتحدثان، فقال له: (اسمع يا مفيد: أنا والسادات ماكانش ينفع نفضل برة احنا الاتنين، كان لازم واحد فينا يحط التانى فى السجن)، وهذا يعنى أن الخلاف السياسى بينهما وانعدام الانسجام الشخصى كان هو الحاكم.

وأن يتقدموا جميعًا باستقالاتهم ويعودوا إلى بيوتهم، فهذا يعنى أننا لسنا بإزاء مؤامرة، بل عملية إحراج مُتعمَّد للرئيس، والإقدام على خطوة غير مدروسة ولا محسوبة سياسيًا وإعلاميًا. سامى شرف يروى أنه طلب من الرئيس أن يغادر المكتب ويترك منصبه ويستريح، فألح الرئيس عليه فى البقاء فترة، لكنه أصر واحْتَدَّ فى جملة على الرئيس. سوف نلاحظ أنه تم إلقاء القبض عليهم جميعًا بعد ثلاثة أيام من الاستقالة.

المفاجأة التى يقدمها «بريماكوف» أن الرئيس السادات كان فى لقاء مع السفير «فينوجرادوف»، وتحدث معه عن أنه ينوى إبعاد على صبرى عن كل مناصبه، وكان رد السفير أن هذا شأن داخلى لمصر، وهم لا يتدخلون فى الشؤون الداخلية، وأن الاتحاد السوفييتى يتعامل مع الشرعية، أى مع الرئيس السادات.

وفى بقية المذكرات السوفييتية أنهم فى موسكو كانوا مستريحين لقرار الرئيس بالتخلص من على صبرى ومجموعته، وأنهم كانوا مناصرين للرئيس تمامًا فى هذه الخطوة.

الخلاف الكبير انفجر فى مايو ٧١، لكنه بدأ قبل ذلك بثلاثة شهور، تحديدًا فى فبراير ٧١.

وللحديث بقية..

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.