.
.
.
.

الإمام.. والتحديث

عبد اللطيف المناوي

نشر في: آخر تحديث:

ذكرت أمس أن مواقف شيخ الأزهر، الإمام الطيب، السابقة الداعية لعدم النظر لكل ما هو تراثى بنظرة مقدسة تُبرئه من تهمة تغيّر موقفه، أو التبعية لأى شخص أو جهة أو دولة، وهنا أتذكر معكم بعضًا من تلك المواقف. أتذكر أنه فى أواخر التسعينيات كان الإمام أحمد الطيب يشغل منصب عميد كلية الدراسات الإسلامية فرع أسوان، وكانت تُنشر له فى جريدة «الأهرام» حلقات مسلسلة بعنوان «اسألوا الفقيه»، إذ كان يرد الرجل على أسئلة القراء بكل دقة وأمانة، إذ ظهرت فى ردوده نفحات «تجديدية» خالصة، فى وقتٍ كانت مصر فيه تعانى من إرهاب متوغل فى كل حارة وبيت، وصعود لرموز تيار الإسلام السياسى.

ووجدت الدولة فى «الطيب» شخصًا مُعينًا على مواجهة الخطاب المتشدد بآخر متسامح، وهو ما أدى إلى الاستعانة به كرئيس لجامعة الأزهر، التى كان طلاب الإخوان حينها يسيطرون على مفاصلها ويخرجون باستعراضات بالأسلحة البيضاء، لكنه استطاع وأد كل ذلك بالكلمة والخطاب المختلف التجديدى الذى لم يرضَ عنه المتشددون حينها.

كان خطابه أيضًا فى مؤتمر حوار الأديان سنة 2008 نموذجًا للدعوة إلى تعدد الآراء واحترام الآخر، فضلًا عن مقالاته التى ترجمها عن الباحثين المستشرقين والمتخصصين فى علوم الأديان المختلفة فى السنوات العشر الأولى من الألفية، باعتباره يجيد الإنجليزية والفرنسية بطلاقة.

فى العام 2009 أيضًا صدر له كتاب «مقالات فى التجديد»، من بين ما فيه «إن التجديد الذى ننتظره ينبغى أن يسير فى خطين متوازيين، أولهما: خط ينطلق فيه من القرآن والسنة أولًا، وبشكل أساسٍ، ثم مما يتناسب ومفاهيم العصر من كنوز التراث بعد ذلك، (...) المطلوب خطاب خالٍ من الصراع ونفى الآخر، واحتكار الحقيقة فى مذهبٍ، (...) وثانى هذين الخطين المتوازيين للسير فى التجديد هو: خط موازٍ ننفتح فيه على الآخرين، بهدف استكشاف عناصر التقاء يمكن توظيفها فى تشكيل إطار ثقافى عام يتصالح فيه أهل الفكر الإسلامى مع الليبراليين».

لا يمكن اعتبارى منتميًا أو منحازًا للأزهر فكريًا، بل إن لى من الملاحظات الكثير على محاولات التدخل فى مساحة حرية التعبير والإبداع حاليًا وسابقًا، ولى كذلك ملاحظات على محاولات البعض استحضار الأزهر أو أى مؤسسة دينية للتأثير فى العمل السياسى وإدارة المجتمع والدولة.

أيضا أقف مع الكثيرين متحفظًا، بل رافضًا العديد من أجزاء المناهج التى تُدرَّس فى الأزهر لبعض السنوات الدراسية، حتى ولو لم تكن تُدرس ولكنها موجودة فى الكتب بين يدى الطلاب، وهى مقاطع من كتب تراثية تاريخية تحمل فى طياتها الكثير من العنف والطائفية والتحريض على كراهية الغير، وتتوسع هذه الكراهية لتشمل المختلف دينيًا أو مذهبيًا، كما تحمل فى طياتها العديد من الأحكام والتقييمات التى تخاصم العقل والمنطق، وروح التسامح التى ينبغى أن تكون أساس الدين.

وبالتالى، لا يمكن أن أكون محسوبًا كأزهرى الهوى أو الانتماء، ولكنى هنا أعتبر نفسى مصريًا مؤمنًا بأهمية الدولة بمفهومها الشامل، ومن هذا المنطلق أدافع عن عناصر قوة هذه الدولة، ومن بينها مؤسسة الأزهر وشيخها، خصوصًا فى هذه المرحلة التى يبدو فيها البعض غير مدرك لخطورة ما يفعله.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.