وأد

دانة الراشد
دانة الراشد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

على الرغم من انتهاء وأد الجاهلية منذ مئات القرون، فإن ثقافة وأد المرأة لا تزال قائمة، فهنالك وأد سيكولوجي عميق يبدأ بولادة الأنثى وينتهي بمماتها أو مقتلها- كما شهدنا في حالة المغدورة فرح حمزة أكبر- فيتحقق الوأد فعلياً، وإن كان بصورة أخرى.

تولد الأنثى فتتمنى عائلتها لو كانت ذكراً، وفي كل سنة تضيفها إلى حياتها تزداد القيود الخانقة بدلاً من أن تتلاشى مع نضجها واستقلاليتها، فنجدها مقيدة بطريقة محدودة ومقننة جداً لكيفية الحديث والجلوس والحركة، لا أتحدث هنا عن الأدبيات الذوقية والبدهية، بل أتكلم هنا عن كيفية استخدام تلك التقاليد للتحكم بكل صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياة المرأة.

تكبر الفتاة قليلاً فتُجبر على لباس يعوق حركتها وهي ما زالت طفلة تلعب، تُحسب الساعات والدقائق التي تخرج بها الفتاة من المنزل في تلك المناسبات النادرة فتُقتل متعة الخروج والتنزه أمام عينيها، تطول أيدي القمع والتحكم حتى جسدها وملامح وجهها، حيث تتعرض لموجة نقد لاذعة ومستمرة من المجتمع فلا تشعر أنها جميلة سوى عند طمس هويتها تماماً بمشرط الجراح "التجميلي". تُمنع من دراسة التخصص الذي تُحب وتُجبر على الزواج ممن لا تريد، فتكون بذلك وصفة التعاسة كاملة المقادير لا مخرج منها سوى "حظ" الفتاة والمصادفة البيولوجية بولادتها في عائلة أكثر انفتاحاً وتقبلاً.

وتحت ظل كل هذه القيود يصبح المتاح محدوداً، فيتم تسطيح اهتماماتها بالمكياج والكماليات فحسب، ثم نلومها: لماذا هي تافهة هكذا؟ تحدثني العديد من الصديقات عن معاناتهن، فتقول بعضهن إن الحياة لم تختلف كثيراً في الحظر، فهن يقضين أغلب حياتهن خلف جدران المنزل على أية حال، أتساءل هنا: هل هذه حياة تستحق الحياة؟ قد يعتقد البعض أن ما أسرده من دورة حياة المرأة في هذه البقعة من الأرض مجرد مبالغة ولا يمس سوى فئة محدودة، لكنه واقع تعيشه الكثيرات مع كل أسف.

ثم نأتي إلى التحرش والمضايقات التي جعلت العديد من النساء يتجنبن الذهاب إلى الكثير من الأماكن– بما فيها المرافق العامة كالمتنزهات والشواطئ- في فسحتهن الضيقة للخروج أصلاً، فأين هي "حماية" المرأة المزعومة التي أحالت حياتها جحيماً تحت ذريعتها؟ تبدأ النساء بالشكوى من المضايقات المتكررة التي ازدادت بشكل ملحوظ بعد الجائحة، فلا يجدن من مجيب. تتصاعد الأمور فتصل إلى جرائم القتل، وما زلنا نجد من يبرر للقاتل ويلوم الضحية المرأة، بل يرى أن الحل هو في المزيد من القيود المفروضة عليها.

نرى هنا أن الوأد لم يتحقق مرة واحدة، بل دُفنت المرأة حية مئات المرات، وكم من أحلام قُتلت مع آلاف النساء وتخلين عنها بكل مرارة خوفاً من وابل العقاب الاجتماعي والذي قد يمس حتى سلامتهن الجسدية. أصبحت المسألة أمنية الآن، وبتنا كنساء نخاف فعلياً على سلامتنا، فلابد من سن وتطبيق القوانين الرادعة لهؤلاء قبل أن يتم حصد المزيد من الأرواح.

* نقلا عن "الجريدة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط