.
.
.
.

تنسيك المجتمع

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

إنّ الناظر في صور المجتمعات الإسلامية التي دونتها كتب العلم والتاريخ يعلم أن محاولة "تنسيك المجتمع" وإضفاء الطابع التديني بسيرة "العابد فلان"، "والناسك فلان" إنما هي محاولة لإحياء "منهج الثلاثة النفر" الذين تقالّوا عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتطرفوا وهم ينشدون الاعتدال..

"الهمزة المتطرفة" أخذت اسمها من موقعها طرف الكلمة، أما "لا المتطرفة"؟ فهي التي تجعل الممتثل لها في طرفٍ آخر عن واقعه ودينهِ ووطنيته أيضًا! ولا أحب أن أنساق وراء الألفاظ التي يطلقها بعض الإعلام المعاصر فربما حملت في أثنائها بعض الباطل والإساءة، قصد أم لم يقصد، لكن لا ينبغي لنا أن نغض الطرف عن الواقع والتصرفات التي قد تأخذ شبابنا ومجتمعاتنا إلى التلبس بما يرمينا به المتربصون بالإسلام، فنقع - شئنا أم أبينا - في شراك "لا المتطرفة"، تلك الـ "لا" التي أغضبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حين جاء ثلاثة نفر إلى بيوته صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها! فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

ولا زال العلماء والوعاظ يمثّلون بهذا الحديث لحال من تحدثه نفسه بالتميز عن سائر المسلمين بالتشديد على نفسه، وفعل ما صورته "عبادة وقربة ونسك" إلا أنه في طرف آخر عمّا عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو قد رغب عن سنته ولم يتبعها. وذلك أن شريعة الإسلام والعبادات فيها عميقة وكثيرة لا يستطيع أحد أن يحيط بها، أو أن يجسد بنفسه صورةً لا يرتضيها الإسلام وإن كانت ظاهرًا "مؤلفة من شرائعه" فالصيام مثلا شيءٌ مرغب فيه في الإسلام، لكن حين يؤتى به في صورة نهى عنها الشرع فهنا يصبح في طرفٍ آخر من شريعة الإسلام، كمن صام يوم العيد، أو صام الدهر.

وحين يتقمص المسلم شخصية "تجشمية التصرف" فيجتنب أغلب ما يفعله المجتمع من المباحات وهو يرى بذلك أنه "يعظّم الدين" وأن سائر الناس لا يقيمون للشعائر حرمةً ولا تعظيمًا، وأن ما يجري كان "لا ينبغي" للمجتمعات المسلمة أن تقع فيه، مثال آخر.

فكثرة المزاح والضحك واللهو واللعب هي أمور مذمومة في الشرع، لكن القليل منها مأذون به، وهي في أصلها مباحة. لكن المتجشم يلغي كل الآيات والأحاديث والآثار التي تبين أن "التنسك والتعبد" الذي يشوبه التزهد والانقطاع لا يسلكه إلا عدد الأصابع من الناس ممن أصبح في حقهم "الحال" مسموحًا به، ومع ذلك فأكمل حال هي حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأكمل مجتمع هو مجتمع الصحابة رضي الله عنهم، وكان مجتمعًا يكفي أن تغير نظرتك لواقعه عما تقرره "لا المتطرفة" إذا قرأت ما رواه البخاري في الأدب المفرد عن بكر بن عبدالله قال: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَتَبَادَحُونَ بِالْبِطِّيخِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ"، فنحو هذا الأثر لا يُمر عليه بغض الطرف عما تضمنه، بل لا بد من الوقوف عنده وعند كثير من الآثار التي لا يحصيها كتاب فضلاً عن مقال مما ورد في أن المسلم يضحك، يمزح، يلهو، يتوسع مع أهله وصحبه ومجالسيه، وأن المسلم لا يمنعه حفظه لكتاب الله، أو صلاته أو صيامه من أن يكون شخصًا حقيقيًا وليس "افتراضيًا"، كما كان عليه الصلاة والسلام في بيته وبين أصحابه، وهكذا المجتمع المسلم لا يمنعه كونه مسلمًا أن يكون فيه من يشتهر بفنٍ أو بإبداع أو جماهير لها ميولها المباحة.

وإن الناظر في صور المجتمعات الإسلامية التي دونتها كتب العلم والتاريخ يعلم أن محاولة تنسيك المجتمع وإضفاء الطابع التديني بسيرة "العابد فلان"، "والناسك فلان" إنما هي محاولة لإحياء "منهج الثلاثة النفر" الذين تقالّوا عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتطرفوا وهم ينشدون الاعتدال.. هذا، والله من وراء القصد.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.