.
.
.
.

عصافير الجمعية.. وضياع التغريدات

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

جاء هذا المقال من إلهام الأخ الفاضل د.محمد الدلال حول ما سطره يوم الأحد الماضي الموافق الثاني من مايو 2021، بعنوان «حوكمة الصراع» ونشرته صحيفة القبس، معبراً عن منظوره حول الأزمة السياسية، بموقف فيه اعتدال وفيه الإيجابية البناءة، وفيه الحس الوطني الحريص على الوطن الواعي لاحتمالات خروج الكويت على انسجامها الداخلي وتنمر بعض مواقعها، ويظل د. محمد الدلال أفضل عصافير جمعية الإصلاح نغمة وأعذبها تغريداً، وقرأت كلماته بكثير من التقدير لخروجه على مواقف زملائه في المجلس الذين انضموا لكتلة المعارضة وجلسوا في مقاعد قيادتها ونشطوا في تصعيد المواجهة ضد مواقف الحكومة.

وأكتب بأسف لأن نواب جمعية الإصلاح يحملون محتوى الجمعية، وكان اليقين بأنهم يسعون لتحقيق الأهداف المناسبة للجمعية كما نعرفها في دعوتها للفضيلة الاجتماعية وترسيخ مبادئ الدين الإسلامي في ذهن المواطن، لا سيما الشباب وتأمين الطهارة السلوكية في المجتمع، بمرافقة الخلق الطيب ونظافة الضمير والحرب على الفساد بما فيه فساد الضمير ومحاربة الانتهازية وفضح التضليل.

بهذا المفهوم أميل إلى الجانب الدعوي لنشاطات الجمعية، متوقعاً أن يحمل سلوك من يمثلها داخل القاعة قائمة المثل والقيم التي تضخها الجمعية، وتضعها خريطة الوصول لميدانها.

وهكذا كان الأمل ليس فقط أملي بل آمال الأغلبية في المجتمع الكويتي، فلا يجوز للمنصة الأخلاقية التي تتحدث عنها رسالة الجمعية أن تخفي وراءها سلوكيات مؤذية للذوق العام، اقتحامية، مستفزة، ومضرة بالمجتمع الكويتي فضلاً عن دورها في بث روح التمرد على سلامة الكويت.

وبودي أن أوجز الضرر الذي يستحضره سلوك نواب الجمعية ويصيب الجمعية نفسها:

أولاً: مهما كان سعي الدكتور محمد الدلال وقيادة الجمعية في تجميل الأداء وتوفير الابتسامات، فإن مواقف جماعته وزملائه في المجلس تؤذي مصداقية الجمعية، فهم المتخرجون في حوضها والناجحون برعايتها والهادفون لبث رسالتها والمدافعون عن طهارتها، هذا المفروض، لكن الحق أن سلوكهم لا يختلف عن ممارسي السياسة بقبحها والناشرين لبشاعتها والباحثين عن فوز في المساومات السياسية، وفي بازار البحث عن حلول والتمتع بالمكاسب عبر تشريعات قد يقطفون ثمارها، ويتمتعون في معاركهم السياسة بحصادها، وأحياناً أقف متسائلاً عن مدى قدرة أهل الجمعية وقيادتها على ترويض اندفاع الكواكب المنتخبة نحو المزيد من التأزيم وعن كيفية جمع المستحيل بين نبل القيم العالية في برامجها وبين تلوث السياسة وفسادها، وكنت أفهم لو التزم نوابها مسعى لتحصين المجلس من فساد الضمير وتلوث السياسة وقذارة معاركها، لكنهم كانوا جزءاً لا يتجزأ من تجمع المواجهين الغاضبين والمندفعين.

ثانياً: أخطر ما تفرزه معارك السياسة فقدان ميزان الاعتدال بالاندفاع تجاه التطاول على معاني الحكم وإضعاف الأعمدة التي يقوم عليها استقرار الكويت مع تجاهل ضرورة صون المقام العالي والبعد عن استضعاف أركان الدولة، ومهما كانت قوة النفي والإنكار فإن الواقع أن هناك شعوراً بالنشوة والابتهاج لما وصلت إليه وقائع الأزمة، ولا أستطيع أن أنفي أن هذا الشعور لم يسر في أجساد تلك الكوكبة المتحمسة ومشاعرهم.

ثالثاً: لم يستطع نواب الجمعية ولا إدارتها أن يمارسوا عملية تشخيص المزاج الكويتي تجاه سلوكيات هؤلاء النواب الذين تصور من انتخبهم أنهم صوت الاعتدال البناء، وقد تولدت الخيبة الشعبية من تعارض سلوك نواب الجمعية مع مصالح أبناء الكويت المطالبين بالتهدئة، والمدركين لكلفة التصعيد، ومهما كان النفي فإن الرأي العام الكويتي يقيس كل خطوة بمدى ايجابيتها أو سلبيتها على الكويت، ومثلي آخرون لا يرون في نوابها تلك الطلعة البهية التي تريدها الكويت.

رابعاً: يعرف صديقنا د.محمد الدلال، بأن جميع أهل الخليج، وآخرون من العالم العربي، إضافة إلى هيئات عالمية متخصصة ترصد ما يدور في الكويت، وتتمعن في مدى تقارب مواقف الجمعية مع القضايا العربية والإنسانية العامة، ومدى تقاربها مع وجهات نظر حركة الإخوان المسلمين العالمية التي تظل وبشكل مستمر تحت المجهر العالمي لمدى تطابق أنفاسها مع مواقف الأسرة العالمية.

ومن هنا يبرز الإدراك بأن بريق الإخوان الإقليمي والعالمي في حالة من الانحسار مع ملاحقات وتسكير المنافذ والمطاردة لمن يغازل التشدد ويهادنه.

خامساً: يدرك د. محمد الدلال بوقاره المألوف أن أهداف الكويت وطموحات شعبها وصون سلامتها أمانة لدى المسؤولين في شراكة الحكم بين مجلس الأمة والشرعية الدستورية، وأن الأمل أن يرتفع بالجميع لمستوى هذه الأهداف، وهي متنوعة بجوانبها الأمنية والسيادية وفي ملفها الاجتماعي في الانفتاح المستنير، وفي استيعاب قواعد العلم والمعرفة مع حكم رشيد ملتزمٍ القانون في تعميق المساواة وفي مقتضيات العدالة مع حرية لصون آدمية الإنسان وكرامته.

من نظرة عابرة على خريطة العالم العربي سيقف القارئ عند دول تآكلت وتحولت إلى مزارع للتكتلات والميليشيات، لأن من جاء لحكمها لا يستحق الجلوس على كرسي السلطة في دول صار القلق يطاردها خوفاً من المجهول، والحل لهذه الأزمة المستشرية هي في الحكم الراشد المتطور الذي يسعد المؤمن في همساته ويريح المتجاوب مع إرشاداته، لا خوفاً من جفاف الزمن وغضبه، وإنما من إيمان عميق بمحتوى الرسالة، ويظل أمل جميع الكويتيين مرتبطاً بحياة برلمانية محصنة من المغامرات سواء من النواب أو من غيرهم.

سادساً: لا أشك بأن جميع أهل الكويت على علم بحجم الرعاية التي تقدمها الحكومة لجمعية الإصلاح، فهي تتعدى اللطافة الأدبية إلى الرعاية مع تأمين لنجاحها في الدعوة وتسهيلاً لدروبها في المسار التي أنذرت نفسها له، ود. الدلال أكثر مني وعياً بذلك، ولربما يتطوع بالتفسير لنا مسببات التباين في الفلسفات والمنظور بين هيئة الجمعية وإدارتها وأهدافها وبين سلوك نجومها في البرلمان في اللحاق بموكب المعارضة ودعم آلياتها ومواقفها، وأحياناً أخذ قصب السبق في المناوشات والمشاغبات.

كنت أتصور أن دور هؤلاء النجوم التسلح بفضيلة الحلول الممكنة في القيام بدور الجسر بين حدة المعارضة من جهة وتصلب الحكومة من جهة أخرى، من أجل الخروج بموقف قائم على التوافق والتراضي كما يدعو الدستور، وهذا ليس شعوري يا دكتور محمد، بل شبه إجماع شعبي على عسارة نجوم الجمعية في البرلمان.

وأخيراً: ما زلت أحمل بعض الأمل قد يأتي من واحات النضج في فضاء الجمعية من أشخاص مثل صديقنا الدكتور محمد الدلال، للتوجه نحو السكينة البناءة في الحوار المثمر، والمشاركة بهذا النهج ليعود البرلمان إلى حيويته البناءة، وللجمعية ونجومها مسؤولية وطنية لتحقيق ذلك.

وآخر ما أقول يا أخ محمد: إن التصحر والقحط في الحصاد لا يليقان بالنبات الذي زرعته جمعية الإصلاح بكل ما ترمز إليه من فضائل.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة