.
.
.
.

مشاطرة في بؤس التحليل

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

في سيرته الذاتية «ماذا علمتني الحياة؟»، قال جلال أمين تحت عنوان «التراثيون الجدد»: «يبدو أن كتابي (المشرق العربي والغرب) قد لفت نظر بعض مَن كانوا أقرب إلى الدين، مثل: عادل حسين وطارق البشري، اللذين كانا قد سارا شوطاً أبعد مني بكثير في التعبير عن تعاطفهما مع اتجاه الإسلام السياسي، فوجدتهما يدعوانني إلى حضور ندوة دورية يحضرها نحو ستة إلى ثمانية أشخاص، ممن عبروا بشكل أو آخر عن اهتمامهم بـ(التراث) أو (الأصالة) أو (الاستقلال الثقافي أو الحضاري) ليناقشوا في كل أسبوع أو أسبوعين كتاباً من الكتب التي تثير اهتمامهم. وقد حضرت هذه الندوة التي استمرت عدة شهور، ثم توقفت الندوة عندما شعر أعضاؤها بقلة جدواها. كان لهذه الندوة ما لأمثالها من فائدة اجتماعية بحتة، بمعنى إتاحة فرصة اللقاء وتبادل الحديث بين أشخاص متقاربين في الذكاء والثقافة ونوع القضايا المثيرة لاهتمامهم، ولكن سرعان ما تبين بعد قليل من الاجتماعات أن المنفعة الفكرية منها محدودة. كان من الحاضرين مَن يسترسل في الكلام بلا توقف، دون أن يشعر بما يعترينا من ملل، ومنهم البالغ الخجل الذي يتعثر أكثر من اللازم في التعبير عن نفسه، ومنهم مَن يفسر الدين تفسيراً غريباً، مثل قوله: إن الله هو الثورة، ومنهم المحب للسيطرة الذي لا يقبل اختلافاً في الرأي، ومنهم الصامت معظم الوقت... إلخ. لم أشعر بالأسف إذن لتوقف هذه الاجتماعات، وإن سمعت وقرأت إشارات إلى بعض أعضاء هذه الندوة، ذكر فيها اسمي أحياناً، مقترناً بوصف (التراثيين الجدد). وهو وصف لا بأس به من حيث الدقة، فقد كنا جميعاً تراثيين بمعنى من المعاني، وإن اختلفت نظرتنا إلى التراث اختلافاً كبيراً، وكنا أيضاً جدداً ببعض المعاني. ولكن بعد فترة أصبحت أفضل ألا يُدرج اسمي بين أسماء هؤلاء التراثيين الجدد، إذ سرعان ما تبين لي مدى الاختلاف بين نظرتي للتراث ونظراتهم، وهم لم يكونوا على وفاق تام فيما بينهم، ولكني أدركت على أي حال أن حرصي على التراث يصدر عن دوافع مختلفة عن دوافعهم، ومن ثم ففهمي وتعريفي للتراث يختلف عن فهمهم وتعريفهم، ونوع تعاطفي واحترامي للدين مختلف عن تعاطفهم واحترامهم له. يمكن أن أجمل هذه الاختلافات في القول بأن نظرتي للتراث كانت سسيولوجية أكثر منها ميتافيزيقية، وتعاطفي مع الدين واحترامي له وحرصي على حمايته ينبع من تعاطفي مع أمتي واحترامي لها وحرصي على حمايتها، وليس العكس».
في حديثه عما يُسمى التحيز المنهجي والمعرفي في سيرته الذاتية، «رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر»، كان لعبد الوهاب المسيري - بخلاف رأي جلال أمين التبخيسي - رأي تثميني في تلك الندوة وفي أعضائها؛ فهو يقول: «وهكذا أصبح التحيز إشكالية أساسية كان لا بد أن أكتب عنها. وفي هذه الآونة تعرفت على الأستاذ عادل حسين، الذي اتصل بي عام 1980 دون سابق معرفة، وأخبرني بأنه قد قرأ كتاب (الفردوس الأرضي)، وأنه وجده مثيراً، فأخبرته أنني قرأت كتابه عن الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية، وأنه يبدو أن هناك نقاط لقاء كثيرة بيننا (فدراسته مثل جيد على فكرة مفكر انتقل من الاهتمام بالقوانين المجردة العامة إلى إدراك أهمية الخصوصية الحضارية، ومن التركيز على المادي إلى الإنساني، ومنه إلى رحابة الإيمان)، وبدأنا نحن وبعض الأصدقاء نلتقي بشكل منتظم، مرة كل شهر، نقرأ كتاباً ونناقشه. كانت المجموعة تضم عدداً كبيراً من المثقفين من الاتجاهات الفكرية كافة (التراثيون الجدد، كما سماهم أحد الكتاب: د. جلال أمين، د. عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم، د. جودة عبد الخالق، د. هدى حجازي، حامد الموصلي، د. ممدوح فهمي، وكان الدكتور محمد عمارة ينضم إلينا أحياناً). وكان الموضوع الأساسي هو التبعية».
هناك أسماء أخرى لم يذكرها عبد الوهاب المسيري وذكرها نبيل مرقس في مقاله، «طارق البشري... روح عذب»، المنشور في جريدة «الشروق» المصرية، وهي: حسن حنفي (وهو الذي قال عنه جلال أمين: «ومنهم من يفسر الدين تفسيراً غريباً، مثل قوله: إن الله هو الثورة»)، وعبد المنعم تليمة، ووليم سليمان قلادة، وعلي نصار، وأحمد حمدي، ونبيل مرقس.
كما أن نبيل مرقس في تعداده للأسماء لم يذكر اسمين ذكرهما المسيري، وهما: اسم زوجته هدى حجازي، واسم عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم. بحسب هذا المقال، فإنه مع انضمام عادل حسين إلى حزب العمل ذي التوجه الإسلامي في منتصف الثمانينات وشغله لمنصب الأمين العام لهذه الحزب، انقطع نادر فرجاني، وعلي نصار، وعبد المنعم تليمة، وجودة عبد الخالق، وكريمة كريم، ومحمد عامر، وأحمد عامر، عن تلك الندوة، وإن حسن حنفي، وجلال أمين، ووليم سليمان قلادة انقطعوا عنها بسبب فقد الحماس لها، وإن عقدها انفرط تماماً مع استغراق عادل حسين الكامل في مسؤولياته السياسية والحزبية.
نخلص من هذا النقل إلى أن هناك تضارباً في المعلومات التي قدمها هؤلاء الثلاثة عن تلك الندوة.
كلام جلال أمين عن مسمى «التراثيون الجدد» كلام غير دقيق، وهو يعلم أنه غير دقيق؛ فتسميتهم بـ«التراثيين الجدد» التي أطلقها عليهم رفاقهم السابقون نشأت بعد قراءته لبحثه «التراث والتنمية الغربية»، وقراءة طارق البشري لبحثه «المسألة القانونية بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي»، وبعد تعقيبات عادل حسين على بعض الأبحاث التي أُلقيت في ندوة «التراث وتحديات العصر»، وتعليقاتهما هما أيضاً وتعليقات محمد عمارة الذي أهمل محمود أمين العالم مناقشته ونقده، مع أنه رفيق شيوعي سابق. فجلال أمين كان هو السبب المباشر والأساسي في إطلاق ذلك الاسم عليهم عند بعض المثقفين المصريين اليساريين.
ففي بحثه هو المشار إليه آنفاً قسّم ما سماه بالتيارات الإصلاحية إلى ثلاثة تيارات هي: التراثيون والماركسيون والليبراليون.
التراثيون عنده هم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ودعوتهما، والإخوان المسلمون والصحوة الإسلامية المعاصرة! واستخدم تعبير السلفي والسلفيين بوصفه تعبيراً مرادفاً للتعبير الأساسي عنده، وهو تعبير التراثيين والتراثي.
وللدفاع عمّن سماهم «التراثيين»، بطريقة علمانية، كتب مرافعتين سفسطائيتين. الأولى تحت عنوان «كلنا تراثيون ميتافيزيقيون»، والأخرى تحت عنوان «كلنا أيضاً مقلدون».
فالمتسبب بالخطأ في وصفهم بـ«التراثيين الجدد» كان هو كما بينّا. وهذا الخطأ في إطلاق هذا الاسم عليهم لا يقل جسامة عن الخطأ الذي ارتكبه في بحثه؛ فوصف دعوة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والإخوان المسلمين والصحوة الإسلامية بالتراثية هو وصف خاطئ. كما أن وصف السلفي بالتراثي والسلفية بالتراثية - إذا كنا نعلم معنى تراث وتراثية - هو وصف لا ينطبق عليهما. كذلك هي لا تنطبق على حسن حنفي ولا على محمد عمارة، رغم اطلاعهما على جانب من التراث العربي الإسلامي. هذا مع الإشارة إلى أن عادل حسين قد سبقه في استعمال تعبير «التراثيين» بالطريقة الخاطئة التي استعملها هو في بحثه. سبقه في هذا في بحث مكتوب مقدَّم إلى ندوة أبحاثها مطبوعة في كتاب عام 1983.
وأظن أن طارق البشري في المقتبس السابق منه يعتقد أن محمود أمين العالم هو من سماهم «التراثيين الجدد»، في حين أنه طرح تسمية بديلة، وهي «السلفيون الجدد»، وهو - كما مر بنا في المقال السابق - لم ينص على كاتب بعينه بأنه هو من سماهم «التراثيين الجدد».
في القسم الثاني من دراسة جلال العظم «الاستشراق والاستشراف معكوساً»، التي نُشرت أول مرة في مجلة «الحياة الجديدة» ببيروت عام 1981، كان قد قال عن المثقفين الذين أسكرتهم الثورة الإسلامية الإيرانية - والذين صنفت مآلاتهم إلى مآلات ثلاثة - هم: «شيوعيون سابقون، راديكاليون متعبون، ماركسيون شعبويون، قوميون خابت آمالهم». ونعت توجه هؤلاء المثقفين بـ«الاتجاه الإسلاماني»، ونعت المفرد منهم بـ«الإسلاماني»، ونعته هذا كان نعتاً موفقاً (انظر شرحي وتعليقي على هذا النعت في هامش رقم 2، ص 59 من كتابي: «شيء من النقد... شيء من التاريخ»).
وللتوثيق التاريخي، محمود أمين العالم كان ممن أسكرتهم الثورة الإسلامية الإيرانية، وقد غمس قلمه بحبر ما سماه صادق جلال العظم «الإسلامانية الجديدة».
فبتاريخ 1 مارس (آذار) 1979، كتب مقالاً عنوانه «الإسلام والثورة»، قال فيه: «مع تفجر الثورة الشعبية الإيرانية وانتصارها، أخذ يتفجر حوار فكري حول طبيعة هذه الثورة ودلالتها، وخاصة حول طابعها الإسلامي. ثم ما لبث هذا الحوار أن أخذ يتجاوز العلاقة بين الثورة الإيرانية والإسلام إلى العلاقة بين الثورة والإسلام عامة. وكان من الطبيعي أن يرتفع الحوار إلى هذا المستوى العام... ولهذا كانت الثورة الشعبية الإيرانية استنقاذاً للإسلام، وانتصاراً له في قلب الحركة الوطنية والتقدمية عامة ضد محاولات احتوائه وتوظيفه الرجعي».
في مقاله هذا أخذ على أنور عبد الملك - المحتفي مثله بالثورة الإسلامية الإيرانية - استعماله لمصطلح «الإسلام السياسي»، على نحو تجريدي، ليفرض على الوقائع التاريخية مفهوماً مطلقاً شاملاً. فالإسلام السياسي عنده - كما ينقل عنه - يشمل تحركات سياسية وأشكالاً من السلطة تجمع ما بين محمد علي وأحمد عرابي، وبين بن باديس والشيخ الإبراهيمي ومصدق وعبد الناصر والملك فيصل وآية الله الخميني.
يقول محمود أمين العالم ناقداً له: «إن المحرك لهؤلاء القادة والسياسيين جميعاً وبغير تمييز هو الإسلام السياسي. والإسلام السياسي - على حد تعبيره - هو التعبير الفكري الشامل لرفض الأمة العربية شعوباً ودولاً أن تصبح ولاية لحروب صليبية جديدة هي اليوم حروب الدولة الصهيونية ومِن ورائها الغرب. والإسلام السياسي - على حد تعبيره - كذلك في قلب الحركة القومية التحررية، كما هو الإطار الأعم والدرع الواقية لتحرك شعوبنا ضد الغزو الحضاري».
كان محمود أمين محقاً في نقده لهذا التحليل البائس، الذي هو توسع حداثوي سياسي مفرط في استعمال مصطلح «الإسلام السياسي»، بمعناه الغربي القديم الذي نشأ أيامها في ظل رفع السلطان عبد الحميد الثاني شعار الوحدة الإسلامية، لكن محاجة محمود أمين العالم التالية تشاطر تحليل أنور عبد الملك بؤسه، وهي المحاجة التي قال فيها: «على أن القول بالشيعية تفسيراً لنجاح هذه الثورة لا يكفي. ففي ليبيا ثورة ناجحة، وإن تكن سنية». وكان قد قال في مستهل تحليل آخر له: «حقاً لقد سبقت الثورة الليبية الثورة الإيرانية في حمل راية الإسلام، وفي تعميق مسيرتها السياسية في ظل هذه الراية...».
في أول عام 1986، حينما ضم محمود أمين العالم هذا المقال ومقالات ودراسات أخرى له في كتاب واحد، هو كتاب «الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر»، كتب في الهامش: «ولقد كتب هذا المقال بعد اندلاع ثورة إيران، وقبل أن تنحرف إلى ما انحرفت إليه من تعصب ونكوص يميني وتمزيق لوحدة القوى الوطنية الديمقراطية التي ساهمت في الانتصار». وأضاف مبرراً موقفه السابق: «لقد كانت هذه الوحدة كما ذكر هذا المقال نفسه آنذاك هي مستقبل الثورة، ولا مستقبل لها بغير هذه الوحدة». إن الذي أملى على محمود أمين العالم ضم مقاله «الإسلام والثورة» هو فقط تثمينه لمجادلته مع أنور عبد الملك ومع أدونيس الذي تضمنها مقاله.
لقد كانت هناك أمامه - عوض أن يقول بذلك التبرير المتهافت - فرصة سانحة لأن يعترف بأن وعيه بالثورة الإيرانية كان وعياً زائفاً.
«والوعي الزائف» هنا هو «الوعي الزائف» بمعناه الموضوعي المباشر والبسيط، وليس بمعناه الماركسي الذي قاده إلى أن يتحمس في تأييده للثورة الإيرانية، وأن يعقد عليها آماله الكبيرة. وآماله الكبيرة كانت هي أن تكون طريقاً إسلامياً للشيوعية!
بغيتي من الاستطراد في المقال السابق وفي هذا المقال، أن يكون مدخلاً للحديث عن عبد الوهاب المسيري الذي كنت عنيته حصراً بقولي في المقال السابق: «ومنهم مَن تباطأ كثيراً في أن يكون إسلامياً»!
وسأتحدث عن وجوه الاتفاق بين ما قاله سفر الحوالي من حكم سفيه على الحضارة الغربية، وحكمه هو وجلال أمين وعادل حسين عليها. وأعرّج على دوره ودور عادل حسين ودور جلال أمين اللذين - ابتداء من مطلع الثمانينات الميلادية - سبقاه في زيادة إفساد دنيا الإسلاميين ودينهم بمحاججات علمانية مغلوطة. وللحديث بقية.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.