.
.
.
.

مادة الأخلاق قارب نجاة

نشر في: آخر تحديث:

الأمر أشبه بنثر حبوب للأخلاق فى مياه النيل مثلما فعل أسطورة الكوميديا العظيم فؤاد المهندس فى فيلم أرض النفاق رائعة يوسف السباعي، والله صدقوني هو ده الحل دَرِّسُوا مادة للأخلاق فى كل المراحل الدراسية وحتى فى الكليات افرضوها على أجيال لم تعد تحترم أية قيم أو أخلاقيات فى مفرداتها وتصرفاتها، فنحن بصدد انهيار أخلاقي وتقمص لنمط مشوه دخيل علينا سواء من الدراما الأمريكية الموجهة لطمث هويتنا، أو من دراما سوقية مشبعة بنماذج البلطجة والانحطاط، أو سوشيال ميديا أخطبوطية كل شىء متاح فى أرجائها فينعكس ذلك فى سلوكيات أطفالنا وشبابنا من دون توجيه فعال من الأهل الفاقدين بدورهم للبوصلة التى توجههم لما هو خطأ أو صواب، أمر محزن ومرعب فى أن واحد فانهيار الأخلاق وضياع القيم يهددان مستقبل أجيال بأكملها لنصل إلى القاع سريعا، والحل الوحيد هو إنقاذ أولادنا بتلقينهم الأخلاقيات والمبادئ السامية الكريمة، وتوجيههم لتبنى السلوكيات الإيجابية الهادفة والبناءة حتى ننشئ جيلا خلوقا ومحترما يفيد نفسه ووطنه.

وبذلك نعدُّ أجيالا منضبطة ومشرفة، فالاستماع إلى أحاديث الشباب ومتابعة الشاتينج والميم والتعليقات على السوشيال ميديا كفيلة بأن ترفع ضغطى وتصيبنى بالاكتئاب، فضلا عن الشتائم والمفردات المستفزة التى يعاقب عليها القانون فكيف نكون أبناء حضارة عريقة وأولادنا بهذا القدر من عشوائية الأخلاق فى كل شىء، تلك جريمة يجب تداركها سريعا وإلا سنندم ونخسر كثيرا وكما قال الكاتب مارتن لوثر كینج (لیست سعادة الأوطان بوفرة ثرواتها، ولا بقوة حصونھا، ولا بجمال مبانیھا، وإنما سعادتھا بكثرة المھذبین من أبنائھا، وعلى مقدارالرجال ذوي التربیة والأخلاق فیھا) فالأخلاق تسمو بالأمم وتعيد بناء المستقبل بفضل فكر واع وأخلاق أبنائها، فلماذا لا تدرس مادة للأخلاق يضعها مفكرون مصريون يجمعون فيها خلاصة علوم الفلسفة والأخلاق والدين والاجتماع ويطورونها فى إطار عصرى يتماشى مع عقلية ولغة الجيل الجديد لتصل إليه فى كل المراحل العمرية فنزرع القيم والمبادئ السامية فيهم منذ الطفولة وصولا إلى سن الشباب.

فنحن أمة عرفت الأخلاق وأرست مبادئها منذ الحضارة المصرية التى أرست مجموعة من القواعد الأخلاقية التى تعتمد على «الضمير» أكثر من اعتمادها على أى قوانين وضعية، لأن الوجدان المصرى نشأ وتربى على حب الخير وكراهية الشر، كما جاء فى كتاب (فجر الضمير) لچيمس هنرى برستد الذى كتبه عام 1933وترجم إلى أغلب لغات العالم ولا يزال أحد المراجع الأساسية عن ديانة مصر القديمة، ويؤكد العلماء الذين درسوا نظام التعليم فى مصر القديمة أنه يوجد بمتحف برلين أدوات كتابة خاصة بتلميذ من عصر الأسرة الـ22، ومن بينها لوحة كتابة عليها مقدمة بردية (آنى)، وكتب التلميذ عليها فاتحة تعاليم النصائح التى ألفها الكاتب (آنى)، بعدها يأتى نص البردية التى كتبها آنى لابنه، وتقرّر تعميمها لتكون مادة مقررة على جميع المدارس قال فيها لابنه: (لا تكن سليطًا ولا متطفلا.. وعندما تكون فى بيت أحد وترى أو تسمع شيئًا فالزم الصمت ولا تبح به لأحد).

فيجب أن تكون مادة الأخلاق ضمن المقررات الموضوعة، ولها اختبارات ودرجات تضاف إلى المجموع الكلي، بل ولها نجاح وسقوط، ويراعى الاعتماد على الممارسة العملية لشرح المنهج من خلال مواقف وأنشطة يتم توظيفها لتوصيل معنى وقيمة إلى الأطفال والشباب، فلا يجوز شرح تلك المادة بشكل نظري فقط، وينبغي تعاون المدرسة والأهل في البيت في تدريس مادة القيم والأخلاق وعقد عدة لقاءات بين المدرسة وولي الأمر للسير في اتجاه واحد، وأيضا احتياج الطفل لرؤية محتوى مادة القيم والأخلاق في طريقة تعامل المعلمين مع بعضهم البعض داخل المدرسة بوصفهم قدوة للطلاب، وتعامل الوالدين أيضا فى البيت فالهدف الأسمى من تدريس هذه المادة هو التربية وغرس المفاهيم وبناء الشخصية، وليس فقط التعليم والتلقين، لأن أبناءنا وبناتنا هم مستقبل مصر الذى يجب حمايته ورعايته على أكمل وجه.

نقلا عن "بوابة الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.