.
.
.
.

مقاربة جديدة للعلاقات العربية الأميركية

طارق فهمي

نشر في: آخر تحديث:

تحتاج العلاقات العربية الأميركية لمراجعة حقيقية تتجاوز الحديث عن الشراكات الممتدة والتعاون الإستراتيجي وأنماط التحالف الثنائي والمتعدد التي حكمت العلاقات لسنوات طويلة، وذلك بفعل ما يجري في الإقليم من تحولات حقيقية ومفصلية متعلقة بالمسعى الأميركي للتوصل مع إيران لاتفاق جديد سيكون له تأثيراته الممتدة على دول المنطقة.
الحاجة إلى المراجعة تأتي أيضاً في ظل مساعي لبعض دول المنطقة- ومنها إسرائيل- لقراءة المستجدات الأمنية في سياقها العام، والمرتبط بحجم التهديدات والمخاطر على أمن المنطقة، وبالتالي ليس مطلوباً من الإدارة الأميركية بث رسائل تطميينات دورية عبر مبعوثيها فقط، بل الانتقال من الأقوال إلى الأفعال السياسية والاستراتيجية في ظل متطلبات حقيقية يفرضها واقع، ومستقبل العلاقات العربية مع الولايات المتحدة، وضرورة العمل على بناء حوار استراتيجي حقيقي يشمل كل القضايا والملفات المسكوت عنها بين الجانبين العربي والأميركي.

صحيح أن الشراكات العربية الأميركية مهمة لمصالح كل طرف، ووفق ما تم من بناء علاقات ذات طابع إستراتيجي، إلا أن تفاعلات العلاقات الإقليمية والدولية، وتجدد إطار المصالح لكل دول المنطقة يتطلب صياغة حوار أكثر جرأة بين الجانبين العربي والأميركي. حوار يحدد أهم نقاط التوافق ورصد أهم مساحات التجاذب، التي لا تقتصر علي التهديدات الإقليمية، بل تمتد إلى العمل معا لمواجهة التحديات الجديدة في الإقليم، والتي ليست كلها تباينات سياسية أو أمنية فقط، بل هناك أيضاً قضايا مستجدة وطارئة، مثل التعامل مع الأزمات العاجلة، ومنها أزمة كورونا، واحتمالات تجدد موجات التطرف والارهاب، إضافة إلى ظهور القوى الكبيرة، والتي تحاول أن تجد لها موقعا في الساحة العربية، حيث الصراع على الموارد والاستثمارات والمشروعات الكبرى، وهو ما يفسر حالة التكالب الصيني والروسي على العالم العربي، وهو ما تضعه الإدارة الأميركية في تقييماتها وحساباتها وتتحسب لردود الفعل المتوقعة.
وفي المقابل يستطيع العالم العربي أن يكون له دور مبادر واستباقي في هذا المجال حيث سيحدد أسس العلاقات ومراحل تطورها مع رصد كل المكاسب التي يمكن أن يحققها من علاقاته مع الولايات المتحدة، والتي ما تزال في حاجة لتفهم طبيعة علاقاتها مع دول المنطقة، انطلاقاً من المصالح المشتركة، والتي تشمل الجانبين، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار خاصة أن مراجعة أصول العلاقات العربية الأميركية يتطلب تبني موقف عربي واحد للدول القيادية في الإقليم وهي السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، والتي يمكن لها أن تعيد ترتيبات الأولويات العربية في منظومتها الراهنة، وفي ظل ما تقوم به الدول الإقليمية الأخرى، وعلى رأسها إيران بمشروعها التدخلي في شؤون الإقليم بأكمله وبناء تحالفات مع وكلائها لتنفيذ سياستها، وتركيا التي تعمل على تكريس دورها الاستراتيجي اعتماداً على حساباتها وتقديراتها ليس في العالم العربي، وإنما أيضاً في شرق المتوسط، وتبقي إسرائيل الدولة الإقليمية الساعية لبناء نظام أمني شرق أوسطي جديد، وفي ظل خيارات عربية موحدة تؤكد على موقع الدول العربية، ودورها في المنظومة الإقليمية والدولية.
* أكاديمي متخصص في العلوم الاستراتيجية والسياسية.

نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.