.
.
.
.

الفتوى والرصاصة !

كرم جبر

نشر في: آخر تحديث:

صباح يوم حزين من شهر مارس 1948، كان القاضى الجليل أحمد الخازندار وكيل محكمة استئناف مصر يخرج من منزله فى ضاحية حلوان، متمشياً فى ساعة مبكرة، وفجأة انطلقت 11 رصاصة غادرة اخترقت ثلاث منها قلبه وصدره.
وسقط رجل القانون على الأرض غارقا فى دمائه، وتبعثرت ملفات القضايا التى يحملها على الأرض، وأسلم الروح لبارئها.
يبدو أنه أصدر حكماً قبل ثلاث سنوات على بعض أعضاء الجماعة الإرهابية بأدلة اتهام ثابتة واستخدم الرأفة، فنفذ عملية اغتياله إرهابيان من الجماعة، أحدهما فى العشرين من عمره والثانى فى الثانية والعشرين.
أثبتت أوراق القضية أن الإرهابيين قضيا ليلتهما فى دار تابعة للإخوان بحلوان، وكان الهدف من الجريمة توجيه إنذار بالإعدام، لكل قاضٍ ينفذ القانون ويصدر أحكاماً ضد جرائمهم الشائنة.
ووقف النائب العام فى ذلك الوقت ينعى للمجتمع بكلمات ساخنة وقائع اغتيال القاضى الجليل، قال: «لم أعرف حادثاً غلت له الصدور غلياناً من الصخب والغضب والاشمئزاز مثل هذا الحادث، ولم أشهد عملاً حارت الأمة فى صرفه وتفسيره كهذا العمل الشائن البشع، الذى أخذ الناس فى غرة وفاجأهم على غير استعداد».
وتكرر سيناريو الاغتيال مع محمود فهمى النقراشى رئيس وزراء مصر لأنه تجاسر على جماعة الإخوان، فصدر حكم القيادات الإرهابية باغتياله رمياً بالرصاص.. وفى تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الثلاثاء 28 ديسمبر سنة 1948، وصل النقراشى باشا إلى المبنى الرئيسى لوزارة الداخلية، وأثناء صعوده درجات السلم الذى يحيط به كالمعتاد حرس الوزراء، وآخرون يرتدون الملابس الملكية.
وقبيل وصوله إلى المصعد المؤدى للدور الثانى أطلق عبد المجيد حسن، وكان مرتدياً ثياب ضابط برتبة ملازم أول, رصاصتين قضتا عليه فوراً، وغرق رئيس الوزراء فى دمائه الساخنة برصاص غادر.
كان النقراشى قبل اغتياله بعشرين يوماً أصدر أمراً عسكرياً بحل جماعة الإخوان المسلمين وشعبها والأماكن المخصصة لها وأمر بضبط أوراقها ووثائقها وسجلاتها ومطبوعاتها وأموالها وكل الأشياء المملوكة لها, وتعيين مندوب خاص مهمته تسلم جميع أموال الجمعية وتصفية ما يراه.
ولم يفعل النقراشى ذلك انتقاماً أو تصفية لحسابات مع الإخوان، وإنما بموجب مذكرة تلقاها من عبد الرحمن عمار - وكيل وزارة الداخلية لشئون الأمن العام - رصدت جرائم الإخوان من القتل والنسف والتدمير.
فكان جزاء التصدى لإرهاب الجماعة الإرهابية، اغتيال رئيس وزراء مصر، ودشنوا نموذجاً للاغتيالات السياسية، اتبعوه فى كل الحوادث اللاحقة.
وكانت دماء الخازندار والنقراشى وغيرهما وثائق إدانة دامغة على جرائم الاغتيال السياسى التى ينفذها الجناح العسكرى للجماعة الارهابية ويرتكبها ارهابيون يسفكون الدماء بفتاوى الشيوخ الكبار، أصحاب خدعة «نحن رجال دين ولا نفكر فى السياسة».

* نقلا عن "أخبار اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.