.
.
.
.

الأمانة الصحافية ومصرع ديانا

عادل درويش

نشر في: آخر تحديث:

فارق كبير في الصياغة، والإلقاء، وانتقاء الكلمات، وتسمية الأشخاص والهيئات، بين بياني الأمير ويليام، وشقيقه الأمير هاري، تعقيباً على نشر تقرير القاضي اللورد دايسون للتحقيق حول دور هيئة الإذاعة البريطانية والصحافي العامل لديها (مارتن بشير) في تزييف أوراق وخداع أمهما الراحلة ديانا أميرة ويلز قبل 26 عاماً.
بيان الأول يعكس مستوى مرتفعاً ووعياً بمسؤوليته التاريخية كملك للمستقبل سيعتلي عرش المملكة المتحدة بعد الملك القادم الأمير تشارلز؛ في حين تمثل تصريحات الأمير هاري مشكلة تاريخية مع جيل يرى التقاليد والمسؤولية الملازمة لمؤسسات عريقة عوائق أمام استمتاعهم بالحياة، الذي يصل إلى حد الاستهتار بالدعائم الأساسية للمجتمع.
الأمير ويليام كان في الخامسة عشرة من العمر يوم وفاة أمه، كما أنه في تعليمه وإعداده كملك، احتفظ بذاكرته، حيث كان واعياً بالأحداث التي مر بها والداه، وما سبّبه خداع مراسل الـ«بي بي سي» لديانا من مشكلات نفسية لم تجعلها تدلي في المقابلة التلفزيونية بما لا يليق من أم وملكة مستقبلية للبلاد فحسب، بل ألهب عندها عقدة الاضطهاد (paranoia)، مما جعلها ترفض الحراسة الرسمية (وكثيرون يعتقدون أن غياب حراسة رسمية تسبب في حادث موتها في 1997 بسبب تهور السائق الفرنسي تحت تأثير الشراب). كما أن ويليام أيضاً درس التقرير والأمر بعناية، واحتفظ بمذكرات وقصاصات صحف مكنته من التفريق بين الدور السلبي لمؤسسة صحافية كبيرة تصنع الرأي العام، وبين أدوار صحافيين مسؤولين لعبوا دوراً كبيراً في كشف محاولة الـ«بي بي سي» التكتم على خداع الصحافي الذي أجرى المقابلة.
هاري، بدوره، كان رده غير منظم في الصياغة، ووجه اللوم للصحافة والمؤسسات الصحافية عموماً (عَمّال على بَطّال)، بينما تزامن ذلك مع استمراره في إجراء مقابلات في برامج الترفيه غير الجادة، قال فيها إنه يعاني من مشكلات نفسية، وإنه أفرط في الشراب والمخدرات للتهرب من أحزان فقدان والدته. وبالطبع بجانب أن هاري يعيش في كاليفورنيا وزواجه من ممثلة أميركية جعله يختلط بأوساط هوليوود وصناعة الترفيه (البعيدة كل البعد عن تقاليد المؤسسة الملكية الرسمية في بريطانيا)، فإنه أصغر سناً وكان طفلاً وقت الأحداث المعنية، ولا يذكر التفاصيل عن حياة أمه الراحلة بالدقة نفسها التي يتذكرها شقيقه الأكبر.
الملاحظ أن الـ«بي بي سي» على موقعها وضعت تصريح الأمير ويليام في أسفل الصفحة، وركزت على تصريحات الأمير هاري. بل وفي تقريرها الصحافي في نشرات الأخبار لم تعِ الدرس من الانتقاد الشديد في تقرير اللورد دايسون، حيث وصفت الأمير ويليام بأنه «غاضب وثائر» في بيانه، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة.
الملاحظ أن معلقي اليسار يدافعون عن هيئة الإذاعة البريطانية بانتقائية خارج السياق بأن الراحلة ديانا كانت ستجري المقابلة، سواء كان بشير خدعها أم لا. وهو حق يراد به باطل، فالأمير ويليام واللورد دايسون لم يناقضا هذا التفسير؛ بل رأى ويليام أن خدعة بشير دفعت أمه لتصريحات ما كانت ستدلي بها، وأثرت عليها سيكولوجياً. وللتوضيح للقراء، فبرنامج «بانوراما»، الذي بثت فيه المقابلة، يعتمد على نظرية المؤامرة، وشائعات لا تستند عادة إلى أدلة وبراهين، وتنتقي لقطات خارج السياق، حيث يتنكر مصوروها وينتحلون شخصيات، كالتقاط صور بعض الحقيقة وليس الحقيقة كاملة.
نحن كصحافيين كثيراً ما نلجأ لحيل، ونحاول استمالة البعض لمعرفة الحقيقة، لكننا في تحايلنا (أو على الأقل جيلي من عواجيز شارع الصحافة) لا نلجأ للكذب والخداع والتزوير وفبركة الأخبار. مراسل الـ«بي بي سي» قام بتزوير وثائق وأوراق (ومصمم الغرافيك الذي طلب منه الصحافي عملها أبلغ إدارة الـ«بي بي سي»، ففصلت المصمم من العمل ومنحت الصحافي المزور ترقية). الصحافي عرض الوثائق المزيفة على إيرل سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، مما أوغر صدره ضد صهره الأمير تشارلز، فأقنع أخته بإجراء المقابلة. الصحافي بشير بدوره تعمد استفزاز ديانا كي تنشر المزيد من الغسيل القذر بإيهامها (كذباً) بأن الأسرة الملكية أمرت جهاز المخابرات بالتجسس عليها. ديانا، على الأغلب، حكت التفاصيل لابنها الأكبر، حيث تضمن بيانه اتهاماً صريحاً لـ«بي بي سي» بأن كذبة تجسس المخابرات أصابتها بالبارانويا، ورفضها حراسة الأمن البريطاني الأكثر مسؤولية ودراية من الأمن الخاص للفندق الفرنسي الذي أدى لحادثة مصرعها؛ كما شهدت السنوات التالية تقاربه من أبيه الأمير تشارلز، مما يعكس رفضه للرواية الرائجة، بخلاف تصريحات هاري الأسبوع الماضي المسيئة لأبيه بشأن تربيته الصارمة بأسلوب عسكري رسمي.
الانتقاد لـ«بي بي سي» أنها تعتبر جزءاً من الهوية القومية البريطانية ومن المؤسسة الديمقراطية كالبرلمان والملكية الدستورية، لكنها من القوة والتأثير ما يجعلها تصنع الرأي العام. وتتلقى دعماً مباشراً من الشعب عبر رخصة التلفزيون المدفوعة إجبارياً حسب القانون من كل بيت في المملكة المتحدة. استقلال الـ«بي بي سي»، وتمويلها ينظمهما مرسوم ملكي (Royal Chart) يصرح لها بالعمل ويضمن استقلاليتها، وهذا يعني دستورياً أن الرئيس الأعلى لهيئة الإذاعة البريطانية هو التاج نفسه، أي الملكة. المفارقة أن المزاج السياسي السائد في الهيئة هو التيار اليساري الذي يريد تقويض المؤسسات التقليدية في المجتمع كالملكية نفسها. استقلال الـ«بي بي سي» عن الحكومة والبرلمان لا يخضعها لمحاسبة أحد، مما يجعلها القاضي والمحلفين والادعاء ومحامي الدفاع في محكمتها الخاصة، وأقصد المحكمة التحريرية الصحافية، ودائماً تتذرع بأن لها لائحة تحريرية تلتزم القواعد المهنية. لكن تقرير اللورد دايسون اتهم الـ«بي بي سي» بالـ«arrogance» (مزيج من العنجهية والغرور والصلف) في رفضها الاعتراف بالخطأ، ورفضها تصحيح أخطاء صحافييها ومراسليها، وتستخدم لائحة التحرير كطوق نجاة لإنقاذ مراسليها من الغرق في طوفان الأخطاء. وقد خبرت ذلك بنفسي كصحافي بدأت عملي في ستينات القرن الماضي. وشهدت بنفسي أحداثاً غطيتها، جيلاً كاملاً قبل أن يولد معظم صحافيي العالم اليوم الذين يعرفون هذه الأحداث من الكتب فقط؛ وكلما ضبطت مراسلاً أو مذيعاً متلبساً بالانتقائية أو تزييف التاريخ أو تشويه الحقائق أو تضليل المشاهد أو المستمع بشأن أحداث ووقائع كنت شاهداً عليها، أمتشق سلاح «التويتر» لتصحيح المعلومة. الغريب أنه في معظم الأحوال يغير الصحافي الموضوع لاتهام بتغيير السياق للإقناع بأن «قصده شريف»، وإذا فشل في ذلك، يبعث برسالة «ماسنجر» مباشرة على الخاص يشكرني على تصحيح المعلومة، بينما يمنعه الـ«arrogance» التقليدي من إصلاح الخطأ علناً على وسيلة التواصل نفسها.

نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.