.
.
.
.

التقصير المستوطن في الملف المائي

هادي عزيز علي

نشر في: آخر تحديث:

التصحر يزحف على السهل الرسوبي ويقلص الأراضي الصالحة للزراعة ويدفع بعض الفلاحين للاكتفاء بأحد الموسمين الزراعيين، والتناقص المريع في حصة الرافدين من المياه،

وخزانات ستراتيجية في طريقها الى الجفاف هذا الواقع المائي المتردي يعد أثراً من آثار التقصير في إدارة الملف المائي وعلى امتداد عمر الدولة العراقية ويعني أن الغالب من المسؤولين ممن مسك هذا الملف أو تعامل معه موصوم بالتقصير المفضي الى ما نحن عليه، التراخي في أداء الواجب والاستكانة لواقع الحال أصبح ممارسة تنتسب لثقافة الكسل، إنهم يعبثون بشرايين حياتنا، وسوف ندرج نماذج للتقصير على سبيل المثال في السطور التالية ، وبمواجهة هذا الأمر ترانا مبهورين بالمصري الذي يمسك الملف المائي بأظافره وأسنانه ويهدد سد النهضة الاثيوبي بالويل والثبور إن نقصت قطرة ماء من (هبة مصر) ويلوح باستعمال القوة إن لزم الأمر.
لا بد من التوقف عند الموقف التركي المتصلب المتمثل في قول الرئيس سليمان ديمريل : (ان المياه تنبع في تركيا ولا يمكن لدول المجرى الأدنى أن تعلمنا كيفية استعمال ثروتنا) وهذا القول يردّده الاتراك مع تعاقب الحكومات التركية الى يومنا هذا مع تمسكهم بنظرية (هارمون) المنقرضة التي تسمى في أدبيات القانون الدولي بنظرية (السيادة الاقليمية المطلقة) والتي تعد من أقدم النظريات التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، هذه النظرية تعد ملغاة بموجب أحكام الاتفاقية الدولية للأنهار غير الملاحية 1997 والاتفاقية الأخيرة هذه تعتبر خلاصة الفكر الإنساني في موضوع المياه الممتد من عصور ما قبل التاريخ الى يومنا هذا، ومعلوم أن تركيا رفضت الانضمام الى هذه الاتفاقية كونها تتضمن أحكاماً تخص العدالة في تقاسم المياه بين دول المنبع ودول المصب والدول المتشاطئة وتلغي نظرية الملكية المطلقة للمياه .
ندرج أدناه – وعلى سبيل المثال – نماذج من تقصير المسؤول العراقي في موضوع الدفاع عن حصة العراق المائية المقررة بموجب أحكام القانون الدولي وضمن محطات مختارة من عمر الدولة العراقية :
المحطة الاولى - معاهدة الصداقة العراقية التركية 29 \ 3 \ 1946 – هي اتفاقية صداقة وحسن جوار وتناولت العديد من الأنشطة المشتركة بين البلدين وقد ألحق بهذه الاتفاقية ستة بروتوكلات تضمن البروتوكول الأول منها معالجة لجريان المياه في دجلة والفرات وروافدهما والانتفاع المشترك بهما وبموجب هذا البروتوكول أيضا تلزم تركيا بالتشاور مع الجانب العراقي في كافة المشاريع الاروائية التي تخطط تركيا لأقامتها على مجرى دجلة والفرات بما في ذلك الاشتراك في اختيار مكان الانشاءات والتشاور في تبادل المعلومات وعلى تركيا أن تُعلم الجانب العراقي بمشاريعها المتعلقة ببناء السدود ولزوم الالتزام بهذه النصوص خدمة للطرفين، فضلاً عما تقدم فان تركيا تشغل وتصون محطات القياس المائية وتصريفها وتكون نفقات ذلك مناصفة بين البلدين علماً أن فحص هذا المحطات يكون بصورة مشتركة بينهما وغير ذلك من الأحكام المنظمة لذلك، إلا أن تركيا أقامت على الفرات خزان كيبان وسد كمال أتاتورك وسد كارابابا وغير ذلك من المشاريع الأخرى فضلاً عما قامت به على دجلة وروافده مشروع كرال كيزي وسط بطمان وسد أليسو ومشروع جزرة وغير ذلك من المشاريع الأخرى.
تمت هذه المشاريع جميعاً اعتباراً من بدء العمل بها وتنفيذها وعمل الغالب منها بغياب الجانب العراقي وتراخيه وعزوفه عن استعمال الصلاحيات الممنوحة له بموجب البروتوكول الأول الملحق باتفاقية الصداقة العراقية التركية المتضمن التشاور والاشتراك في اختيار المواقع وتبادل المعلومات وانتهى الأمر الى الاستكانة لما نحن فيها.
المحطة الثانية – البروتوكول التركي السوري 1987 – خلال فترة ملء حوض سد أتاتورك تم الاتفاق التركي السوري على التوزيع المائي بين تركيا وسوريا بواقع خمسمائة متر مكعب في الثانية سنويا، (العراق لم يكن طرفاً في هذا البروتوكول حينئذ) وكان المفترض بالعراق أن يدخل طرفاً ثالثاً في هذا البروتوكول وبقدر حجمه المائي،إلا أن المفاوض العراقي تراخى ولجأ الى اتفاق ثنائي مع سوريا مؤرخ في 17 \ 4 \ 1989 تقاسم بموجبه الكمية الواصلة الى الحدود السوريّة البالغة خمسمائة متر مكعب في الثانية بواقع 58 % للعراق 42 % لسوريا رغم أن هذه القسمة مجحفة بحق العراق قياساً للمساحة التي يمر بها الفرات في الأراضي العراقية إلا أنه كان كذلك. هذا ومن المعلوم أن تركيا تخلت عما التزمت به مع سوريا ، إذ انها لا تسمح بمرور أكثر من مائتي متر مكعب في الثانية في نهر الفرات في أيامنا هذه.
المحطة الثالثة – سد الموصل – مشروع ستراتيجي نفذ في ثمانينيات القرن الماضي تم بموجبه تصميم الطاقة الاستيعابية للمياه محسوبة على أسس الاستخدمات المختلفة وأهمها الاستخدامات الزراعية بموسميها الشتوي والصيفي ولكي يكون خزيناً يسعف الوضع في حالة شح الأمطارأو انحسار المصادر الأخرى فضلاً عن الاستخدامات الأخرى كتوليد الطاقة الكهربائية، إلا أن العيب في التنفيذ حال دون وصوله الى القدرة الاستيعابية المتوخاة خشية أن يؤدي ملء السد الى انهياره بسبب الخلل في أسسه، ومن آثار هذا الخلل حصول الارباك في الخطط والبرامج الزراعية وتقليص المساحات المطلوب زراعتها، وعدم تلبية الاحتياجات الضرورية في فصل الصيف، والخلل في توليد الطاقة الكهربائية فضلاً عن نزيف الأموال والجهود المستمر جراء حقن الأسس بالاسمنت بغية ديمومة السد.
المحطة الرابعة – الجارة إيران ورغم حرب الثماني سنوات الضروس وخصومتها الشديدة للنظام السابق إلا أنها لم تجرأ على التحرش بحصة العراق المائية من الروافد النابعة منها في تلك الفترة، ولكن التجاوز حصل وتم وتحويل مسارات الروافد الى الداخل الايراني بعد 2003 أي بعدما مسك الأخوة في العقيدة زمام الحكم وتم وحرمان العراق من حصته المائية من تلك الروافد فازداد اللسان الملحي في شط العرب والنقص المريع في خزانات كردستان، ولزِم الأخوة في العقيدة الصمت الموسوم بطابع التقصير.
هذا من فيض من غيض من التقصير المستوطن في المؤسسة المشرفة على إدارة الملف المائي.

نقلا عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.