.
.
.
.

بايدن – فلسطين.. وسجل القياصرة الأميركيين

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

أكثر من مرة أشرنا فيها إلى مؤلف السير البريطاني الشهير، والأكاديمي المعروف، نايجل هاملتون، ذاك المعنون باسم "القياصرة الأميركيون"، والذي بدأه من عند فرانكلين د. روزفت، ووصل به إلى جورج بوش الابن.

في هذا المؤلف الكبير والمثير يستخدم كاتب سير العظماء، تعبيرا من تعبيرين، لوصف كل رئيس من أبطاله، فإما أن يقول: "الذي بلغ في مرحلة لاحقة مستوى العظمة"، أو: "الذي لعنه الناس في مرحلة لاحقة"، والمؤكد أن التمايز هنا يعود إلى حساب حصاد هذا الرئيس أو ذاك، ومن ثم سبغ التقييم الذي يستحقه عليه.

لماذا العودة إلى هاملتون من جديد هذه الأيام؟

ربما لأن هناك رئيساً في البيت الأبيض قد يقدر له أن يسجل اسمه في سجل القياصرة الأميركيين، إن استطاع فك عقدة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

تابعنا وتابع العالم معنا الأسبوع الماضي تطورات المشهد الأميركي – الإسرائيلي، وسط الصدام بين حماس وبين الجيش الإسرائيلي، وقد لاحظ الجميع أن هناك نبرة أميركية واضحة، تختلف طولا وعرضا، شكلا وموضوعا عما كانت تمتلئ به واشنطن في زمن سلفه دونالد ترمب، رجل صفقة القرن، حيث من لا يملك، يعطي من لا يستحق مرة جديدة بعد عقود طوال من وعد بلفور.

نهار الجمعة الفائتة وخلال مؤتمر صحافي جرت وقائعه في البيت الأبيض بين الرئيس بايدن، ونظيره الكوري الجنوبي، مون جاي - إن، قال بايدن: "نحن مازلنا بحاجة إلى حل الدولتين، هذا هو الرد الوحيد ".

لم يرصد المراقبون طوال أربع سنوات ترامب تعبير، حل الدولتين، وجل ما طرح طوال ولاية الرئيس السابق اليتيمة، إرهاصات صفقات اقتصادية، لا تقيم أود الحق، ولا تصلب عود العدالة، إن جاز التعبير.

هل هناك تغير جذري في السياسات الأميركية تجاه إسرائيل؟
يبدو أن ذلك كذلك، وهو ما كانت تتوقعه حكومة نتنياهو، والتي قبلت على مضض دخول بايدن البيت الأبيض عوضا عن ترمب.

أدرك الإسرائيليون في العقدين الأخيرين أن الديمقراطيين التقليديين الداعمين لإسرائيل في انحسار، وهذا ما جرى بالفعل في أيام الصراع الأخيرة، بدءا من الرئيس، مرورا بأعضاء من مجلسي النواب والشيوخ، وصولا إلى قنوات إعلامية عديدة.

أكثر من وسيلة إعلام أميركية في مقدمها شبكة الأخبار الشهيرة، سي. إن.إن، قطعت بأن مكالمة بايدن مع نتنياهو كانت فظة، وأن الرئيس الأميركي أظهر أنه صاحب السطوة واليد العليا، وطالب بوقف العمليات المسلحة بأسرع وقت ممكن.

قبل مكالمة بايدن كانت الأنباء قد ترددت بأن نتنياهو يعد العدة لتدخل بري في قطاع غزة، وهنا نجد مجلة بوليتيكو الأميركية ذائعة الصيت، تجزم بدورها بأن مسؤولين أميركيين نافذين من حول الرئيس، وغالب الأمر، من مجلس الأمن القومي، قد حذروا نتنياهو من عواقب اجتياح ذلك الجيب الفلسطيني، والذي حلم شيمون بيريز ذات مرة بأن يستيقظ يوما ما ليراه قد غاص في اليم، ومضى بيريز ولا يزال القطاع قائما وقادما، كما توقف نتنياهو عن المضي في عملية مسلحة برية.

قدر لبايدن النجاح في التوصل إلى وقف إطلاق النار، بمشاركة الجهود العربية، وفي مقدمها الجهد المصري الذي شهد له العالم كله، وكان بايدن أولهم.

وقت ظهور هذه الكلمات للنور سيكون وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قد حل ضيفا على الشرق الأوسط، في سعي لتثبيت الهدنة، وتعزيز التعاون المستقبلي مع القادة الفلسطينيين، ومحاولة تجسير الفجوات التي خلفتها إدارة ترمب، تلك التي عمقت الهوة بين الجانبين، من خلال إجراءات أحادية الجانب كنقل السفارة الأميركية من تل ابيب إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل.

هل يعني هذا الإيقاع السريع أن الولايات المتحدة قد تراجعت عن دعم إسرائيل؟

حكما هذا لم ولن يحدث، لا في الحال، ولا في الاستقبال، كما أن بايدن نفسه قد أكد في أكثر من تصريح بأن بلاده لن تتوانى عن دعم إسرائيل، وتعزيز وسائل دفاعاتها.

ربما يتطلع بايدن إلى دعم مشروع السلام في الشرق الأوسط، من خلال تصفية أطول وأخطر صراع، لصبغته الدوغمائية، والتي هي أكثر من أيديولوجية، لاسيما أن الجانبين ينظران إلى القدس بوصفها حاضنة مقدسة لإيمانهما معا.

يدرك بايدن قبل أي شخص آخر أن نافذته لدخول التاريخ تضيق يوما تلو الآخر، ولهذا قد يكون العمل على تهيئة الأجواء لبدء مسيرة تفاوضية جدية، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الدولية، والوساطات الداعمة والمساندة من دول المنطقة، والأولوية التي أبدتها دول عربية للسلام، هو الخيار الأقرب إلى عقله، وهو ما يؤكده حديثه عن حل الدولتين.

هل يعني ذلك أن الطريق يسير ومعبد؟

نجاح بايدن رغم العقبات هو ما سيضمن له كتابة اسمه في سجل القياصرة الأميركيين، وبلوغه مرحلة من العظمة لاحقا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.