.
.
.
.

في لبنان: عيون لا تبصر النّور!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

الأسبوع الماضي انشغل العالم بالحرب على غزة، كما انشغل بعضنا بتصريحات السيد شربل وهبة الذي أصبح اليوم وزير خارجية لبنانياً سابقاً. المناقشة هنا في الإطار الأوسع وليس الشخصي أو العاطفي. هناك مدرسة سياسية لبنانية لا يمكن إنكارها، فبعض القوى السياسية تحمل فكرة سياسية مزدوجة في مجملها (ازدراء العلاقات العربية مع لبنان) وتضخيم العلاقات اللبنانية مع الجمهورية الإسلامية. لقد أضاف السيد شربل وهبة على ما قالته السيدة مي خريش بصفتها نائبة رئيس "التيار الحر" في لقاء تلفزيوني مع طوني خليفة عندما سألها: أيهما أقرب اليك (ووضع علمين سعودياً وإيرانياً) فقالت: الإيراني، ثم أردفت (خبروني)! أن إيران فيها حريات، وأنا (أحب حياكة السجاد)! مع الاحترام للأشخاص، إلا أن القضية أكبر وهي تموضع لبنان في محيطه.

لا أحد يناقش قناعات هذه المدرسة الفقيرة جداً في الإقناع، وفي ظني أنها مدرسة صغيرة ولكن فاعله في الساحة اللبنانية اليوم، وهي تُفصح عن (الأزمة) التي نحن بصددها، هي أزمة (سياسية وفكرية) في وقت واحد. واضح أن بعضاً من القيادات في التيار تنقصها ربما المعلومات أو حتى الدبلوماسية العامة التي تضع مصلحة كل لبنان فوق أي مصالح آنية، وقد تكون صغيرة وموقته، فرافعة القوى اللبنانية السياسية تتغير كما شهدنا في نصف القرن الماضي على الأقل، بعضها يصعد ويكاد يسود، ومن ثم يتراجع ويصبح أقلية، تلك صيرورة السياسية في أي مكان، وهي ظاهرة في لبنان.

إذاً الحديث عن الأشخاص هو تضييع للوقت والجهد، أما الحديث عن المشاريع السياسية فهو الأكثر فائدة. المشروع (الإيراني) وأنا أقصد هنا (النظام) الحالي الإيراني، هدفه أن يوسع نفوذه في المنطقة ككل من خلال تشكيل أذرع مسلحة، والحديث عن (تحرير فلسطين) هو فقط تسويغ للعامة والبسطاء، والدلائل لا تخفى، فقد تم تدمير غزة خلال أحد عشر يوماً، ولم تقدم إيران الرسمية أي مساعدة (غير الألفاظ) المرسلة، فلم توعز بفتح جبهة جنوب لبنان ولا الجولان، وفيهما نفوذ إيراني لا يرقى اليه الشك، ولن أقول إني غير متفهم لذلك الموقف، فالكل يعرف أنها لو أقدمت على المشاركة النشطة بإحدى أذرعها لربما تفاقم الأمر الى حرب أوسع، وهي منهمكة في محادثات في فيينا أهم لمستقبلها من تحرير حتى جزء من فلسطين! ذلك للعقلاء معروف، لكن الاستمرار في القول "صواريخ لتحرير فلسطين من الجنوب" وتحالف "حزب الله" مع "التيار الحر"، هو في الأساس لمصلحة غير التحرير وغير بقاء لبنان حراً عزيزاً ومستقلاً. لقد آن الوقت لأن تظهر تلك الحقيقة، هو تحالف للسيطرة (إن أمكن) على لبنان الذي وصل الى انزلاق خطير للوضع، فقراً وفاقة وغياباً للدولة.

لا أعتقد أن عدداً من أنصار "التيار الحر" يجهل تلك الحقائق! إذاً لماذا ذلك الموقف الذي ظهرت قمته الثلجية في تصريحات الثنائي (شربل، خريش)، وهما من المفروض شخصيتان سياسيتان لا تنقصهما المعرفة. الإجابة تكمن في قراءة الواقع اللبناني، وهو واقع (مخيف) بكل معنى الكلمة، لا للبنانيين أو قطاع واسع منهم، بل لكل العقلاء (عرباً و أو غير عرب) خارج لبنان. وضع اقتصادي متدهور، ووضع مالي سحق العملة المحلية، ووضع صحي مقلق، ودولة أللا دولة. كل ذلك من أجل أن يصل (أشخاص) الى سدة الحكم، ولكن من دون محتوى لذلك الحكم، وكأن الحال يقول، خذ هذه الدمية العب بها ونحن نفتك بأسرتك وجيرانك، نجوّع بعضهم ونطلق الرصاص على رؤوس من يخالف، من رفيق الحريري الى لقمان سليم، الى مجموعة كبيرة من الذين (أعدموا) بسبب مواقفهم الداعية الى إنقاذ لبنان.

لبنان مع هذه المدرسة الثنائية ينزلق الى الهاوية، وربما الى صراع دموي لا يعود لبنان بعده لبنان الذي عرفه العالم في العقود السبعة الماضية. فالقضية إذاً ليست زلة لسان من رجل سياسي أو امرأة، القضية أكبر كثيراً من الأشخاص. تنبّه عقلاء لخطورة وقوف لينان على الجرف، فقدم البطريرك الماروني بشارة الراعي فكرة إنقاذية حقيقية (تحييد لبنان) عن صراعات محتدمة في المنطقة، والفكرة نابعة من عقلاء سبق لهم أن عملوا على تفعيلها، نذكر منهم المرحوم الياس سركيس رئيس الجمهورية بين (1976 و1982)، وكانت فترة ساخنة من تاريخ الصراعات المستمرة على مسرح الشرق الأوسط، لقد استطاع أن (يعوّم) لبنان، فاستحق كل تلك المكانة في قلوب معظم اللبنانيين. البطريرك الراعي له مشروع واضح هدفه تعويم لبنان من جديد، باقي القوى اللبنانية، وبخاصة الفاعلة اليوم على المسرح، تفتقد ذلك المشروع الشامل، وتعتني بمشروع جزئي هو في الغالب مصالح آنية تزيد من تفاقم الوضع اللبناني سوءاً وتدفع المجتمع الدولي الى زاوية العجز شبه الكلي عن المساعدة. هذه القوى القابضة على الحكم بتصرفاتها التي تراكمت وعجزت عن تقديم مصالح الوطن على مصالح ثانوية، تبين فقرها الدبلوماسي والثقافي بمثل تلك التصريحات التي ظهرت على السطح، وهي مدرسة أدخلت لبنان في (عتمة)، وبالتالي تقاوم أعينها شعاع النور، وتنكر القادم من تغيرات جذرية تحدث في العالم من تقنية وسياسية واجتماعية واقتصادية، هي مكتفية بأن تكون في (المقام) المتقدم، حتى لو كان ذلك المقام خرابة ينعق فيها صوت البوم ومحاطة بالقبور!

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.