موسم الهجوم على العرب!
بشكل لافت ومثير اتسعت في الأونة الأخيرة حملة الهجوم على العرب، شعوباً ودولاً، عبر الاستهزاء بهم و الانتقاص من تضحياتهم ومآثرهم لأسباب و دوافع عنصرية أو لجهل متعمد أو غير ذلك من الأسباب، وذلك من قبل مسؤولين و إعلاميين في دول عدة وفي العراق.
ولعل أحد الأمثلة النافرة و المثيرة على ذلك التصريحات التي أدلى بها مؤخراً وزير خارجية لبنان شربل وهبة المحسوب على رئيس الجمهورية ميشيل عون وفريقه، الى فضائية (الحرة) والتي تهجم فيها على المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى و السخرية منهم بوصفهم (بدو) متخلفين و أوصاف مهينة أخرى، على غرار استهزاء وزير عراقي سابق بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود فيصل بوصفه (بدوي يركب الجمل في الصحراء) وكاد ذلك أن يُحدث ازمة دبلوماسية بين بغداد و الرياض.
كانت ردود الفعل السعودية و دول الخليج العربية الأخرى شديدة وغاضبة، رسمياً و شعبياً، وقد تضامنت مصر مع شقيقاتها العربيات بإستنكارها لتصريحات الوزير اللبناني. غير أن ردود الفعل و الانتقادات الاكثر حدة لتصريحات الوزير شربل جاءت من غالبية الفرقاء اللبنانيين و الفعاليات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية الأخرى، وذلك لحرص الجميع على تعزيز علاقات لبنان مع هذه الدول خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان و اللبنانيين، إضافة إلى الخشية من تأثير ذلك و إلحاق ضرر بوجود نحو مئتي ألف لبناني يعملون في السعودية وربما بعددهم في الدول العربية الخليجية الأخرى.
وإذا اكتفت السعودية و دول مجلس التعاون العربية الأخرى بما وصلت إليه الأزمة المفتعلة من الوزير شربل الذي طلب من رئيس الجمهورية إعفاءه من منصبه دون إقالته، غير أن حملة الهجوم على العرب و التقليل من شأنهم و تضحياتهم لم تُنهِ فصولاً بعد.
فبينما اقتصر هجوم الوزير اللبناني على بلدان الخليج العربية، يعمد سياسيون و وسائل إعلام و فضائيات عربية و أجنبية ناطقة بالعربية، الى توسيع نطاق هذه الحملة لتشمل معظم البلدان العربية و شعوبها. وهنا يمكن الإشارة ،كمثال،لمقال لافت لكاتب عراقي اختار الانخراط بهذه الحملة وتوسيع نطاقها لأبعد من دول الخليج العربية ولتشمل العراق حتى...
وفي هذا المقال الذي كُتب تحت يافطة التضامن مع الفلسطينيين خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، يبدو أن الكاتب عمد إلى تناسي هذا العدوان قدر اهتمامه بالهجوم على العرب ومنهم العراق بالانتقاص منهم و تجاهل تضحياتهم ومآثرهم، وخاصة تضحيات و مآثر الجيش العراقي من أجل فلسطين و شعبها. ففي هذا المقال عمد الكاتب في هجومه الى الاستخفاف بكل جهود و مساعي العرب و تضحياتهم، و اعتبار كل تلك الجهود التي بذلت بهذا الاتجاه لم توفق في النجاح بتحقيق ما كانت تصبو إليه من أهداف،وهي بمثابة (فشل) يستوجب الادانة و السخرية، وفي تعداده لبعض الأمثلة على هذا الفشل للعرب منذ بدأ ظهور القضية الفلسطينية في عقد عشرينيات القرن العشرين الماضي أشار الكاتب الى أن العرب (فشلوا) في الضغط الدولي لمنع توطين اليهود بفلسطين آنذاك، و (فشلوا) أيضاً في إيجاد سياسات تعرقل لتحقيق تلك المشاريع، كما أنهم (فشلوا فشلاً ذريعاً) في الحرب الفلسطينية_الاسرائيلية العام 1948 التي اندلعت بعد صدور قرار التقسيم العام 1947 وبذلك يرى الكاتب أن العرب قد(امدوا إسرائيل بمبررات الوجود)!.. هذا فضلاً عن (الفشل الذي ظل يلاحقهم حتى اليوم، وقد كان لافتاً ومثيراً أيضاً وهو يسجل بعض مظاهر(الفشل)للعرب و العراق أن يغمط دورهم و نضالاتهم و جهادهم في حرب العام 1948 ،ففي هذه الحرب التي اشترك فيها جيوش سبعة بلدان عربية ومنها العراق.قامت،وبصرف النظر عن طبيعة أنظمتها السياسية بأدوار بطولية و تضحيات كبيرة و خصوصاً الجيش العراقي الذي سجل جنوده و ضباطه أروع المعارك البطولية المشهود لها ومن خلال التضحيات الغالية التي سجلت لهم في تأريخهم البطولي الناصع وقد ضحى الجيش بهذه المعارك بأكثر من 400 شهيد جندي و ضابط،وكان أبرزهم الضابط الشجاع(عمر علي) الذي قاد معارك بلدة(جنين)بشجاعة نادرة.وقد أقام الفلسطينيون و العراقيون مقبرة خاصة كتب عليها لافتة تشير إليها:( مقبرة شهداء الجيش العراقي) الشاخصة حتى الآن . وهذا ما تعرف عليه و درسه طلاب الصفوف المتوسطة في المدارس العراقية ، والسؤال الذي يمكن توجيهه للكاتب وهو الذي سجل (حالات الفشل) للعرب في دعم القضية الفلسطينية وهو : هل شكلت تضحيات الجيوش العربية وفي مقدمتها الجيش العراقي في معركة (جنين)وغيرها ( فشلاً ذريعاً )لهم؟، وفي خاتمة مقاله يوجه الكاتب نداءً للعرب بأن (لا يتدخلوا بشكل مباشر في ساحات القتال مع الفلسطينيين) وأن يمنحونهم الحرية الكاملة للتعامل مع قضيتهم (لأنهم الأقدر من عرب أغلبهم غير صادقين) .. وهذا ما يمثل جهلاً مروعاً بحقيقة تولي الفلسطينيين قيادة نضالهم منذ ثورة (البراق) عام 1922 وخلال ثورة العام 1936 الشهيرة وخلال حرب 1948 وكان العرب مساعدين لهم لا قادة ،ثم استلم الفلسطينيون القيادة الرسمية لقضيتهم و جهادهم و ثورتهم بأعلان انطلاق حركة(فتح)في الأول من كانون الثاني عام 1965 ،ثم إعلان (منظمة التحرير الفلسطينية PLO ) عام 1974 و اعتراف العالم و البلدان العربية بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني .
* نقلا عن "المدى"