.
.
.
.

الرجل الذي شق عصا الطاعة ضد بورقيبة

آمال موسى

نشر في: آخر تحديث:

فقدت تونس الأحد الماضي رمزاً من رموز بناة الدولة الوطنية الحديثة وهو السيّد أحمد المستيري (1925 - 2021) رحمه الله. وفي الحقيقة يتميز المستيري عن غيره من النخبة الأولى التي حكمت تونس بعد الاستقلال مباشرةً بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة، بمواقف جعلته يحظى بأهمية خاصة في التاريخ السياسي التونسي. ويبدو لنا أن تجربة الرجل في ممارسة السياسة وفي الإصلاح الاجتماعي جديرة بالتناول والتعمق أكثر وأكثر بوصفها تتوفر فيها عناصر الأنموذجية.
من جهتي كانت لي مع الراحل أحمد المستيري لقاءات عدّة في بداية الألفية الجديدة حين كنت أعد أطروحة الدراسات المعمقة حول بورقيبة والدين. فقد كان الرجل أحد وزراء بورقيبة حيث كُلّف بحقيبة وزارة العدل وسلمه الملف الأكثر ثورية الذي قامت به الدولة الوطنية التونسية في مشروعها التحديثي للمجتمع التونسي، ونقصد بذلك: إصدار مجلة الأحوال الشخصيّة. ومن هنا نفهم أهمية الرجل ومدى جرأته ومدى ثقة الحبيب بورقيبة بكفاءته، مع العلم أنه عندما تولى وزارة العدل كان عمره قرابة الثلاثين عاماً، أي إنه في ريعان الشباب وكان عائداً للتوّ من باريس بعد حصوله على شهادة جامعية في الحقوق.
بمعنى آخر فإن الفقيد هو الذي أشرف على تحرير مجلة الأحوال الشخصية، أبرز معالم التحديث في التجربة التونسية، ولقد حدّثني عن الملابسات التي حفّت بتحرير المجلة وإصدارها، إذ وصف لي أحمد المستيري صعوبة تلقي قانون 13 أغسطس (آب) 1956 بقوله: «لقد وجدنا صعوبة في إقناع الناس بمجلة الأحوال الشخصية سواء بالنسبة إلى خريجي جامع الزيتونة أو الطبقة المثقفة عموماً أو الجمهور العريض. وحاولنا إقناعهم بأن المجلة ليست مجلة إصلاحية أو ثورية، بل إنها ليست مخالفة للدين رغم أننا ذهبنا في اتجاه كثير من الأشياء ذات العلاقة بحرية المرأة وحقوقها. حتى إننا كنا حريصين على عدم استعمال عبارة (تحريم) كي لا نُدخل المعتقد في جدل قوامه الحلال والحرام». فهذه المجلة التي ينظر إليها التونسيون حالياً بعين الرضا والرغبة في مزيد من التطوير، بما يُعزز عدم التمايز بين الجنسين ويضمن استحقاقات المواطنة، لم تجد القبول الاجتماعي الواسع عند إصدارها، وكانت في بنودها أكثر تقدمية من المجتمع التونسي في ذلك التاريخ الذي يصادف صائفة 1956. ومن يدرك صعوبة التغيير الثقافي الاجتماعي لا يستطيع أن يتعامل مع من أشرفوا على تحرير مجلة الأحوال الشخصية إلا من ناحية كونهم شجعاناً بأتمّ معنى الكلمة. فحال اليوم يختلف عن الحال قبل سبعة عقود حين كانت مثل هذه الإصلاحات مشقّة لا أحد يعرف نتائجها ولا أحد يستطيع التكهن بردود الفعل تجاهها، خصوصاً أننا نتحدث عن مجتمع ما زال عميق التقليدية والمحافظة ولم يستوعب قيم التحديث من دون عراك مع الديني وما يمتّ إلى الهوية والخصوصية الثقافية بصلة.
ولا تقتصر أهمية أحمد المستيري على كونه الوزير الذي تولى تحرير وإصدار مجلة الأحوال الشخصية فحسب، فذاك كان تجسيداً لسياسة بورقيبة ومشروعه التحديثي، بل إن أهميته تراكمت لأنه الرجل الذي شق عصا الطاعة ضد بورقيبة وانتصر لضرورة التحديث السياسي كما كان أحد صناع التحديث الاجتماعي.
فصحيح أن النخبة السياسية التي أحاطت ببورقيبة كانت كلها حداثية ومن خريجي السوربون تقريباً، ولكن الغالبية كانت تحسب ألف حساب لشخصية بورقيبة النرجسية وتفرده بالرأي. ليس سهلاً أن تكون صاحب كاريزما وشخصية مستقلة في حضرة الزعيم الحبيب بورقيبة.
وكما نعلم فإن المشروع البورقيبي اكتفى بالديمقراطية الاجتماعية، والتركيز على مجانية التعليم وتعميمه، والحق في الصحة والكرامة، ولكن بحكم السياق ونظراً إلى طبيعة شخصيته – أي بورقيبة - فإنه كان يرى أن الديمقراطية السياسية مسألة مؤجَّلة. ولكنّ المستيري كان يرى العكس من ذلك وأعلن استقالته من الحزب الحاكم، أي الحزب الدستوري الاشتراكي وأسّس حزباً جديداً من رحم الحزب الحاكم سمّاه: حزب الديمقراطيين الاشتراكيين، وكان ذلك في سنة 1978، وبداية معارضته السياسية بدأت في بداية السبعينات. ومن ثم فإن المستيري يعد أول من تجرأ في إعلان المعارضة والانشقاق عن الحزب الحاكم وإعلاء شأن فكرة «الديمقراطية» في حزب جديد.
لا شك طبعاً في أن السياق التاريخي لظهور أحمد المستيري كرجل معارضة كان يتميز بتراجع بورقيبة خصوصاً بعد فشل تجربة التعاضد وازدياد الفقر، ناهيك بأن المعارضة الإسلامية بدأت تنتظم وتقريباً تشكّلت تنظيمياً عام 1973 بإعلان الإمارة آنذاك لراشد الغنوشي... ولكن كل هذه العناصر المستجدة آنذاك لا تقلّص من قوة وأهمية ما قام به أحمد المستيري من تأسيس حزب معارض من رحم الحزب الحاكم الذي كان ينتمي إليه، وهي خطوة انشقاقية مائة في المائة بدليل المحاصرة التي لقيها الحزب وقياداته.
ومما يلفت الانتباه اليوم أن تونس كلما فقدت رمزاً من الرموز التي بَنَت تونس المستقلة إلا ونزف شعور بالتحسر المضاعَف على شخصيات لم تتكرر إلى حد الآن، كأن صِلة الحاضر بالماضي القريب مقطوعة.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.