.
.
.
.

إعلام إسلامي بمراجع يسارية!

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

لما كنت أدرس في قسم الصحافة والعلاقات العامة بكلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الثمانينات الميلادية، كانت من ضمن المراجع المطالبين بالاطلاع عليها، الكتب التالية...
كتاب ذو عناوين متعددة صادر عن اليونيسكو. عنوانه الأول «أصوات متعددة وعالم واحد»، وعنوانه الثاني «الاتصال والمجتمع اليوم وغداً»، وعنوانه الثالث «نحو نظام عالمي جديد للإعلام والاتصال أكثر عدلاً وكفاءة»، وعنوانه الرابع «تقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال»، ويشار إليه أحياناً باسم «تقرير لجنة شون ماكبرايد».
الكتاب الثاني، هو كتاب «التنمية الثقافية، تجارب إقليمية»، تأليف لفيف من خبراء اليونيسكو، ترجمه سليم مكسور، وراجعه عبده وازن.
الكتاب الثالث، كتاب «قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث»، تأليف الدكتورة عواطف عبد الرحمن. الكتاب الرابع، كتاب «تدفق المعلومات بين الدول المتقدمة والنامية»، تأليف د. ر. مانكيكان، وترجمة فائق فهيم.
الكتاب الأول هو ثمرة مناقشات ومداولات لجنة دولية مكونة من 16 شخصية، يرأسها الآيرلندي شون ماكبرايد. ابتدأت عملها عام 1977. وكتبت تقريرها بصيغته النهائية عام 1980. وطبع تقريرها في كتاب عام 1981 بلغات مختلفة. ومن هذه اللغات اللغة العربية. وقد تولت الشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر إصدار الكتاب باللغة العربية في ذلك العام.
يتحدث الكتاب عن الاختلاف والتفاوت في التدفق الحر للأخبار والمعلومات بين الدول المتقدمة والدول النامية، وينبه إلى أن هذا التدفق الحر ما هو إلا تدفق حر في اتجاه واحد، ويدعو إلى إنشاء نظام إعلامي عالمي متوازن وعادل، يقوم على تعدد الأصوات لا على أحاديتها.
لقي تقرير لجنة ماكبرايد عام 1980 تأييداً ودعماً عالمياً قوياً إلا أن أميركا، ودعمتها بريطانيا، اعتبرت توصيات التقرير هجوماً من قبل دول الجنوب ودول الشرق الشيوعية على حرية الملكية الخاصة وعلى حرية الإعلان، واتهمت التقرير بأنه دعوة لاعتناق الشيوعية!
المفارقة المسلية في اتهامها هذا المستشيط غيظاً والمستطير غضباً أنها كانت وكان حلفاؤها الغربيون قبل صدور التقرير ومنذ منتصف القرن العشرين يريدون أن تكون اليونيسكو - والتي كانت منذ نشأتها مؤسسة غربية محضة - أداة لحرية الكلام في مواجهة البروباغندا الشيوعية!
ومع الإقرار بصحة الرأي القائل إن أميركا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حاولت جاهدة تسيير الشؤون الدولية لخدمة مصالحها، وحاولت تثبيط جهود الدول النامية إذا لم تتوافق مع مصالحها السياسية والاقتصادية حول العالم. وإنها كانت غالباً ما تصوغ معارضاتها لقرارات المنظمات الدولية، مغلّفة إياها بذرائع حرية السوق، معتبرة كل نشاط مهما كان، نشاطاً تجارياً يخضع لحرية التجارة والمنافسة، في حين أنها تقوم بوضع العراقيل في وجه الدول التي لديها القدرة على التنافس الاقتصادي والتجاري. لأنها كانت تريد أن تكون الدول النامية تابعة لها، تملي عليها ما يصب في مصالح مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية، وخصوصاً بعد اشتداد الحرب الباردة المتصاعدة.
ومع الإقرار كذلك بصحة بعض تشخيصات التقرير وصواب بعض ملحوظاته النقدية ووجاهة بعض مطالبه، إلا أنَّ التقرير كان محازباً للاتحاد السوفياتي بإسراف. فعلى سبيل المثال عند حديثه عن البعد التاريخي لحرية الصحافة في الفصل الأول، يقول كاتبو التقرير:
«في القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين لم تكن هناك حرية للصحافة بعد في البلاد الواقعة تحت الحكم المطلق كما كان الحال في روسيا القيصرية على سبيل المثال، وكذلك لم تكن هناك حرية حقيقية للصحافة في مناطق شاسعة من آسيا وأفريقيا التي أصبحت مستعمرات. وكانت الصحف التي ظهرت في البلاد التابعة مملوكة لأوروبيين يقومون بتحريرها لخدمة متطلبات الإعلام الخاصة بالمجتمع الحاكم ولتعكس وجهة نظره، وبالتدريج ظهرت صحف يملكها آسيويون وأفارقة وأسهمت في الكفاح من أجل الحقوق الديمقراطية والتحرير الوطني».
يجابهنا في هذا الكلام أكثر من ادعاء ثقيل ومزعج. أولها، أن الثورة الشيوعية في روسيا أتت بحرية صحافة! وثانيها أن حكومة الاتحاد السوفياتي نقيض للحكم المطلق. وهذه فرية، فحكومته تجسد النمط الصارخ للحكم المطلق في القرن العشرين.
وثالثها، أنه كانت في بلدان آسيوية وأفريقية قبل استعمارها حرية صحافة. والصحيح أن مبدأ حرية الصحافة نقله المستعمر إلى البلدان الآسيوية والأفريقية التي استعمرها، فالمستعمر هو الذي سنّ هذا المبدأ فيها. والصحيح أيضاً أن حرية الصحافة تدهورت فيها مع ظهور الحكومات الوطنية التحررية التي استهدت بأنموذج الحزب والسلطة والدولة في الاتحاد السوفياتي بهذا القدر أو ذاك.
وإذا ما تأملنا في عبارة «الحقوق الديمقراطية»، بحسب السياق الذي وردت فيه، فسنجد أنها تحمل في طياتها رفضاً للديمقراطية بمعناها الليبرالي، لأنها وفق المفهوم الماركسي ليست سوى شكل سياسي للسيطرة الطبقية البرجوازية. ووفق هذا المفهوم، الشكل السياسي الجديد والأرقى للديمقراطية هو الديمقراطية البروليتارية الاشتراكية والديمقراطية الشعبية.
يكمل كاتبو الفصل الأول كلامهم، فيقولون: «بيد أنه رغم كل العقبات، كان لصحف الرأي الثورية والقومية والراديكالية أثرها الكبير، وهي تتحدث باسم الحركات الاشتراكية في العالم الرأسمالي، وباسم المعارضة الديمقراطية ضد الحكم المطلق، وباسم الثورة المتزايدة ضد الاستعمار. ولقد كانت (الريسورجمنتو) Risorgimento لكافور و(إيسكرا) ISKRA للينين و(هاريجان) Harijan لغاندي وغيرها من الصحف بمثابة رؤوس الحرية في ثورة الأفكار، وساعدت على هدم صروح السلطة القائمة، بأن أيقظت الملايين المستسلمة وقتئذٍ، وعبأت قواها، وكانت الصحافة في تلك الظروف تمثل رسالة أكثر منها مهنة».
الريسورجمنتو جريدة سياسية، ويعني اسمها الإيطالي باللغة العربية (البعث والتوحيد). أسسها كاميليو باولو فيلبو كونت كافور، (1810 – 1861) الذي كان من قواد اليمين التاريخي ورئيساً للوزراء في مملكة بيدمونت - سردينيا. وهو رجل دولة إيطالي وأحد البارزين في حركة توحيد إيطاليا. وعندما انتهت حرب توحيد الممالك الإيطالية وتحريرها من الاستعمار النمساوي والفرنسي، وأُعلن قيام مملكة إيطاليا الموحدة، أصبح رئيساً للوزراء لمدة 3 أشهر حيث توفي بعدها.
وإيسكرا (الشرارة) هي أول جريدة شيوعية سرية موجهة لعامة الشعب الروسي. أنشأها لينين سنة 1900 خارج روسيا. وصدر عددها الأول في لايزبيك بألمانيا، وصدرت أعدادها اللاحقة في ميونيخ ولندن وجنيف. هذه الجريدة كان لها دور حاسم في تأسيس حزب الطبقة العاملة الماركسي الثوري في روسيا.
نلحظ في هذا المقتبس أن كاتبيه يقصرون مفهوم حرية الصحافة وحرية الأفكار على التعبير عن أفكار شيوعية وعن أفكار قومية وطنية تحررية من سلطة المستعمر الإمبريالي.
وبصدد التأييد والدعم العالمي القوي الذي لقيه تقرير لجنة ماكبرايد، يمكن القول إنه لأول مرة تصطف دول عربية محسوبة سياسياً واقتصادياً على دول المعسكر الغربي إلى جانب دول المعسكر الاشتراكي إزاء البث الفضائي الغربي القادم.
يذكر الدكتور عبد الرحمن الشبيلي في مقال له عنوانه «مصطفى المصمودي... كاتب الدولة التونسي للإعلام»، نشر في جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ 24 يونيو (حزيران) 2019، أن الدكتور محيي الدين صابر، المدير العام لـ«الأليسكو» كلف الدكتور مصطفى المصمودي برئاسة مجموعة عربية لوضع استراتيجية الإعلام العربي في موازاة تقرير لجنة ماكبرايد.
وكان الدكتور مصطفى المصمودي من ضمن الأعضاء الستة عشر الذين صاغوا كتاب «أصوات متعددة وعالم واحد» أو ما يسمى بتقرير لجنة ماكبرايد.
وقد نشر تقريره الخاص بالدول العربية في كتاب عنوانه «النظام الإعلامي الجديد»، صدر عن سلسلة «عالم المعرفة» عام 1985 وقدم له كل من الدكتور محمد الرميحي وشون ماكبرايد.
هذا الكتاب الذي لم يكن كتاباً يسارياً، لست متأكداً إن كان من ضمن المراجع المطالبين بالاطلاع عليها في الكلية التي درست فيها أم أنني قد بادرت بشرائه وقت صدوره.
الكتاب الأخير، وأعني به كتاب «تدفق المعلومات بين الدول المتقدمة والنامية»، وقع في اسم المؤلف الأخير تصحيف طباعي، فاسمه الأخير مانكيكار، وليس مانكيكان. وهذا التصحيف الطباعي أتى من دار العلوم في الرياض، ناشرة الكتاب، وليس من مترجمه فائق فهيم. فقبل أن ينشر مترجمه هذا الكتاب في هذه الدار عام 1982، كان قد نشره قبلها في ليبيا عام 1978، وكان على غلاف الكتاب الخارجي والداخلي اسم المؤلف الأخير الصحيح، بعنوان مختلف هو «التدفق الحر من جانب واحد... استعمار جديد عن طريق وسائل الإعلام».
هذا العنوان في النسخة الليبية مطابق لعنوان الكتاب الأصلي باللغة الإنجليزية المثبت في بيانات النشر على غلاف الكتاب الداخلي. ولو أنه أبدل جملة «من جانب واحد» بجملة «أحادي الاتجاه» لكانت الجملة أقوى وأدق.
مذكور في بيانات نشر النسخة الليبية أن الترجمة راجعها زميله المذيع حمدي قنديل، ومبين فيها أنه في ذلك الوقت شغل منصب رئيس إدارة التدفق الحر للمعلومات وسياسات الإعلام بمنظمة اليونيسكو.
ومذكور أيضاً فيها أن الكتاب منشور بالتعاون مع اليونيسكو. وأن المترجم فائق فهيم يعمل محاضراً بقسم الإعلام في كلية الآداب بجامعة الرياض (جامعة الملك سعود حالياً).
كل هذه المعلومات غير موجودة في النسخة السعودية.
ومن الفروق بين هاتين النسختين أيضاً أن النسخة الليبية تضمنت مقدمة في موضوع الكتاب سبقت تمهيد المؤلف هي أقرب ما تكون إلى بحث قصير مضغوط، اعتمد كاتبها فيها على مصادر مكتوبة باللغة الإنجليزية، وقد جاء في أسطرها الأخيرة تعريف بالمؤلف، من دون تحديد جنسيته، وبالكتاب.
هذه المقدمة خلت من اسم كاتبها، ومن المؤكد أن كاتبها ليس فائق فهيم، فلو أنه كان هو كاتبها لأعاد نشرها في النسخة السعودية. وربما كاتبها مختص بالإعلام في منظمة اليونيسكو أو ربما الذي كتبها مراجع ترجمة الكتاب حمدي قنديل، وهو احتمال ضعيف جداً.
في النسخة السعودية توجد مقدمة تلت تمهيد المؤلف، وهي غير موجودة في النسخة الليبية. ولم ينص فائق فهيم على اسم كاتبها. وعلى الأغلب أنه هو كاتبها، لتكون بديلاً لمقدمة النسخة الليبية التي حذفها من النسخة السعودية.
وفي النسخة السعودية غيّر في 4 عناوين من فصول الكتاب تغيرات طفيفة، بلا موجب.
مرادي من هذا النبش الذي يحمل صفة الخبر غير السار لزملاء فائق فهيم وتلامذته في السعودية ومصر، أن أوضح في سياق ما أنا بصدد الحديث عنه، وهي مقولة «التحيّز» في الإعلام والثقافة وفي العلوم الاجتماعية منهجاً وموضوعاً، المسهم فيها الدكتور عبد الوهاب المسيري في شقها الأخير بوقت متأخر من زمن نشأتها في العالم العربي، أن موضوع كتاب د. ر. مانكيكار كان رائجاً في آخر السبعينات وفي الثمانينات الميلادية لدى أساتذة وطلبة الإعلام في بعض الدول العربية. لهذا أراد الإعلامي فائق فهيم أن يستفيد مجدداً وبانفراد من حقوق الترجمة مالياً في السعودية.
في كتاب مصطفى المصمودي «النظام الإعلامي الجديد»، وهو يشير إلى إسناد رئاسة لجنة مجمع وكالات الأنباء في دول عدم الانحياز، إلى د. ر. مانكيكار، عرّف به بأنه صحافي هندي كبير. وفي مقدمة مقال لفائق فهيم عن مدلولات معركة انتخاب مدير اليونيسكو، نشره بجريدة «الاقتصادية»، بتاريخ 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2009، عرّف به بأنه كاتب هندي. والصحيح أنه صحافي بنغلاديشي يساري في السياسة وفي الفكر. وكان معنياً بالدفاع عن القضايا السياسية وقضايا الإعلام وقضايا التنمية في البلدان النامية، ويناصب الغرب الرأسمالي والليبرالي العداء السياسي والآيديولوجي الشرس.
وأحسب أن منشأ اللبس حول جنسيته يرجع إلى أنه كان مقيماً في الهند، وإلى أنه تولى مناصب إعلامية كثيرة فيها. وللحديث بقية...

* نقلا عن " الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.