.
.
.
.

{إخوان} السعودية... المقولات الجديدة

عبد الله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

جماعة «الإخوان المسلمين» وجماعات الإسلام السياسي جماعات اكتنزت خبرة طويلة في التعامل مع ضغوط الدول والأنظمة السياسية، على كافة المستويات سياسياً وأمنياً ومالياً وتعليمياً وخيرياً، واستطاعت مع اختلاف الزمان والمكان والظروف أن تتجاوز كل تلك الضغوط، وتعود للحياة مجدداً، وتخرج من الأنفاق التي اعتادت اللجوء إليها.
المستعجلون يعتقدون أنه بمجرد تصنيف الجماعة جماعة إرهابية، فإن خطرها قد زال وتأثيرها قد انتهى، وهذا أبعد ما يكون عن الصواب، فهذه الجماعات قائمة على الهرمية والسرية، وهي تعيد تنظيم نفسها، حسب الظروف المحيطة بها في كل مرة، وتاريخها خير شاهدٍ، فهي بنت تنظيماتٍ شديدة الإحكام نظرياً وعملياً، وأثبتت قدرة على تجاوز المصاعب والمصائب بالنسبة لها، والتهاون بشأنها والتقليل من خطرها يبعث عليه إما الانتماء لها والتعاطف معها، ورفض كل ما اتخذته الدول ضدها، وإما بسبب الجهل وعدم قطع الصلات معها تحسباً لعودتها مجدداً.
ثمة مقولات جديدة تنشرها جماعة «الإخوان المسلمين» وتنظيمات الإسلام السياسي في الدول التي قامت بتصنيف هذه الجماعات إرهابية، وتردد هذه المقولات فئات من المجتمع بعضها في موقع المسؤولية وبعضها في موقع التأثير، وهما في موقع الجهل وقلة المعرفة، بعضها مقتنع بترهات «الإخوان» - كما تقدم - وبعضها ينتمي لفئة يمكن تسميتها «مطايا الإخوان».
المقولة الأولى: «انتهى الإخوان وانتهى الإسلام السياسي، وانتهى الإرهاب ويجب ألا يضيع وقت الدولة والمجتمع في أمرٍ قد انتهى» هذه مقولة شديدة الخطورة، والهدف منها المحافظة على القوة السرية لهذه الجماعات، وضمان عدم ملاحقتها أو الحذر منها، بينما تعرف قيادات ورموز «الإخوان» أن نشر مثل هذه المقولة إنما يخدمهم خدمات جليلة، بمواجهة أي ضغوط سياسية أو أمنية أو اجتماعية.
المقولة الثانية: «التنمية هي الأولوية والتطوير الاقتصادي والإداري»، وهذه مقولة على طريقة الحق الذي يراد به الباطل، وهي تمثل خبرة الإسلام السياسي في التعامل مع أي خطط إصلاحية سياسية كانت أم اقتصادية تعلنها الدول التي تعمل فيها هذه الجماعات، لأن هذه الجماعات تستطيع بكل بساطة الركوب على هذه الخطط الإصلاحية والتغلغل في بناها النظرية والتطبيقية، والحصول على المناصب المؤثرة في مثل هذه الرؤى الكبرى، لأنها في جانبها هذا لا تتصادم فعلياً مع آيدولوجيات هذه الجماعات وخطاباتها وتنظيماتها، ويمكن للمتابع استحضار العديد من الأسماء المقتنعة بهذا الفكر، ولا تزال على رأس المسؤولية في بعض الدول التي تصنف هذه الجماعات إرهابية.
المقولة الثالثة: «يجب عدم التركيز على كل ما يتعلق بالهوية والوطنية والتاريخ»، وأي أحاديث لمسؤولين كبار تتعلق بهذه المواضيع يجب تحييدها وتهميشها وعدم التطرق لها إلا للضرورة، لأن هذه المفاهيم والتدقيق فيها ومناقشتها تصطدم مباشرة بآيدولوجيا الإسلام السياسي، والحقيقة أنه لا يمكن لأي دولة أن تستقر وتستمر وتتطور من دون شرح وافٍ لهذه المفاهيم وتعميق للنقاش حولها، وبث المنتجات التي تجعلها حديث الرأي العام ومجال التداول النخبوي والشعبي على حدٍ سواء، لأن التجاوز النظري والفكري هو ما يرسخ إضعاف مثل هذه الجماعات ووضعها على هامش المجتمع، وليس الإجراءات السياسية والقرارات الأمنية مع أهميتهما.
المقولة الرابعة: «الشباب والسوشيال ميديا هم الحاضر والمستقبل ولا قيمة للماضي»، هذا جزء من المخطط الإخواني الذي يتحرك بتنظيمٍ محكمٍ، وقراراتٍ يتم توزيعها من القمة إلى القاعدة، وبثها بوسائل وأساليب لا تستطيع الدولة اكتشافها بسهولة ويسرٍ، وهي تقلل من الضغوط على هذه الجماعات، وتدفع بمركز الاهتمام والحذر إلى أماكن بعيدة عنها وعن حراكها وتأثيرها، وإلا فهم موجودون خطاباً وتنظيمات ورموزاً في كل مكان، فالعهد قريب والفاعلون معروفون وهم يحنون رؤوسهم للعاصفة لا أقل ولا أكثر.
المقولة الخامسة: «رؤية ولي العهد السعودي واضحة ونحن نؤيدها ونعمل لها وفيها ومعها فقط نحيد ما لا يخدمنا»، هذا الكلام يعني إلغاء كل التصريحات والحوارات والمواقف التي أعلنها الأمير محمد بن سلمان، وشكلت أولوية تناولها صناع القرار والمؤسسات الإعلامية والبحثية ومراكز التفكير حول العالم، وشكلت لحظة تاريخية لتجاوز عقودٍ من التيه والضياع سيطرت فيها تلك الجماعات وخطاباتها وأولوياتها ورموزها، ومن أمثلة تلك التصريحات ما قاله الأمير محمد من أننا لن نعيش نواجه مقولات وآيديولوجيات... لن نضيع حياتنا في «التعامل مع أي أفكار مدمرة، سندمرها اليوم وفوراً»، وحديث عن الخطورة الشديدة لتنظيم السرورية مع صحيفة أميركية، وليس آخرها الحديث المفصل عن الشريعة ومرجعياتها دينياً وقانونياً، وما يتعلق بالفرد وبالدولة والمجتمع في الحوار الأخير الذي أجراه مع الأستاذ عبد الله المديفر، وشكل منارة تضيء الطريق لمستقبلٍ بعيدٍ عن التشدد والتطرف والإرهاب.
خيار جماعات الإسلام السياسي والمتعاطفين معها هو عدم تناول هذه المواضيع، وإن كان ولا بد فعرضها تلميحاً لا تصريحاً وفي أضيق نطاق ممكن ومن دون إثارة أي ضجيج قد تكون آثاره مضادة لهذه الجماعات، ويعلم المراقب جيداً كم التغييرات الكبرى التي تمت في السنوات الأخيرة، وكانت هذه الجماعات ورموزها سابقاً يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على أقل منها بكثير، ولكنهم يصمتون اليوم لمعرفتهم بقوة الوعي والقرار لدى القيادة السياسية، وأن المواجهة لم تعد خياراً، بل الخيار في التغلغل والتسلل وإبداء الموافقة.
الجماعات المؤدلجة لا تنتهي بقرارٍ ولا تختفي بتصنيفٍ سياسي وقانوني، ومع عدم الخلط بين السياقات الحضارية للدول والأمم والشعوب، فالعالم يشهد كيف أن الجماعات الدينية المؤدلجة لم تزل حاضرة في المشهد الأوروبي والأميركي، وأسماؤها عديدة وشواهدها كثيرة، ولولا قوة الدستور والقانون ومؤسسات الدولة هناك، لسيطرت على المشهد مجدداً وفرضت نفسها على الجميع.
رؤية السعودية 2030 وما بعدها من السعودية 2040 وشموليتها وتطورها وإعادة هيكلتها المستمرة والبرامج المساندة لها، كفيلة بصناعة مستقبلٍ جديدٍ لا للسعودية فحسب، بل للمنطقة وللعالم أجمع، ووضع برامج ومؤسسات لمتابعة هذه الجماعات وخطاباتها ورموزها مع التركيز على بث «الهوية الوطنية» و«التاريخ» و«الإنجازات» بشواهدها وتفاصيلها هو ما يرسخ المبادئ ويعزز اللحمة الوطنية ويحقق المستحيل.
أخيراً، فكل متابعٍ لهذه الجماعات ومثيلاتها في التاريخ والحاضر يعلم جيداً أن نهايتها ليست قريبة والنجاح كل النجاح هو في منعها من التغلغل إلى مؤسسات الدولة والمؤسسات العامة حتى لا نقع في الخطأ نفسه مرتين.

* نقلا عن " الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.