.
.
.
.

فاروق أم عبد الناصر؟

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

لم يصدر حديث «بيان٣٠ مارس» عن إمكانية استعادة الأرض المحتلة عبر الحلول السياسية من فراغ، ولم يكن الرئيس عبد الناصر ليعلن ذلك بنفسه، دون أن يكون هناك، على الأرض، ما يسانده ومن يؤيده، بل يسعى إلى تحقيقه، سواء فى محيط السياسة الخارجية والدولية أو فى الداخل المصرى، وكانت عيون عبد الناصر مفتوحة جيدًا على الداخل والخارج أيضًا.

فى الداخل كان الحل السياسى أو السلمى مطروحًا، حتى قبل حرب ١٩٦٧، فى مطلع الستينيات كتب شيخ الصحفيين فكرى أباظة، مقالًا فى مجلة «المصور»، دعا فيه إلى الاعتراف بإسرائيل وإقامة سلام معها، كانت أهمية المقال فى قيمة كاتبه، فكرى أباظة كان أحد رموز الحزب الوطنى القديم، حزب مصطفى كامل ومحمد فريد، هو أيضًا أحد أبطال ثورة ١٩، ومن ثم فإن وطنيته وإخلاصه، فضلا عن نزاهته كصحفى ورئيس تحرير لم تكن موضع شك، حين أعلنت قوائم المصاريف السرية، التى قدمت لبعض كبار الصحفيين قبل يوليو٥٢، تبين تورط الكثيرين من المشاهير، لكن فكرى أباظة كان ناصع السجل، بعد مقال السلام بفترة فصل الكاتب الجليل من عمله ومنع من الكتابة فترة، ولم يتم احترام تاريخه، ويسود اعتقاد بين كثير من المحللين، أنه منع بسبب ذلك المقال ودعوته لإقامة سلام مع إسرائيل، لكن المؤكد أن منعه كان بسبب مقال آخر، السائد وقتها فى مؤسسة دار الهلال أن المنع كان بسبب مقال عن تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى البلاد، موسى صبرى رئيس تحرير الأخبار يقطع فى كتابه «وثائق ١٥مايو» أن فكرى أباظة لم يفصل بسبب مقال السلام، وأن فكرى نفسه، كان مقتنعًا بأنه فصل بسبب عدة سطور فى أحد مقالاته، أشار فيها إلى أنه لا تطور للمجتمع ولا للفرد بغير الديمقراطية والحرية، وكانت مفاجأة للكثيرين أن وثائق الخارجية الأمريكية، التى أعلنت بعد مرور ثلاثين سنة، حوت وثيقة من القاهرة تؤكد أن فكرى أباظة كتب ذلك المقال بضوء أخضر من الرئاسة المصرية، وأن عبد الناصر أراد اختبار الفكرة بعرضها على الرأى العام، وفى الساحة العربية كان هناك رأى الرئيس التونسى الحبيب بورقيبة حول الاعتراف بإسرائيل وإقامة دولة فلسطينية وإحلال السلام فى المنطقة العربية، فى نفس الفترة تقريبًا نشرت فى القاهرة مذكرات محمد فراج طايع وزير خارجية مصر أيام الرئيس محمد نجيب، طايع كان دبلوماسيًّا رفيع المستوى فى فلسطين قبيل حرب ٤٨ وأثناءها، فى مذكراته شن هجومًا قاسيًا على الحكومات العربية سنة ٤٨، لأن تلك الحكومات تجاهلت تماما تقارير وآراء دبلوماسييها فى فلسطين، وطبقًا لأقواله كانت تلك التقارير تنصح وتحذر من دخول حرب مع المجموعات المسلحة من اليهود الموجودين فى فلسطين، لأن هذه المجموعات كانت أقوى وأحدث تسليحًا من الجيوش العربية، فضلًا عن أنهم كانوا أفضل تدريبًا، وذكر أيضا أن تقاريرهم كانت تحمل تفاصيل التسليح وغير ذلك، وأنهم شعروا بالصدمة حين قررت حكوماتهم خوض الحرب، وتجاهل تقاريرهم ومن النتيجة التى كانوا يتوقعونها مسبقا.

كان نشر هذه المذكرات، بهذه الكلمات المباشرة والواضحة، يهدم تمامًا أسطورة الأسلحة الفاسدة وأسطورة أن العرب هزموا فى فلسطين بالخيانة وليس بالضعف، وفى حكم المؤكد أن مسألة الأسلحة الفاسدة كانت محض أكذوبة، والتعرف على أسباب اختلاق هذه الكذبة ومن يمكن أن يكون خلفها ومن المستفيد منها، يستحق دراسة خاصة، المهم أن نشر المذكرات فى مطلع الستينيات يؤكد أنه كان هناك من يريد طرح الحقائق على الناس، رغبة فى الوصول إلى حل، بعيدًا عن الصراع العسكرى، لنتذكر أنه فى تلك الفترة كانت هناك رقابة على الكتب، أى أن المذكرات روجعت وأقرتها الرقابة على المطبوعات، قبل النشر، أى أنه كانت هناك رغبة رسمية فى أن يتم «تسريب» الحقيقة إلى الناس وهى أن الحل العسكرى أو القضاء على إسرائيل ليس واردًا.

فى مصر، لم يتم تجاهل تقارير الدبلوماسيين، كانت هناك تقارير أيضًا للمخابرات الحربية الملكية، عن الموقف العسكرى للمجموعات الصهيونبة، وهناك تقرير أعده أحد الضباط تمكن من دخول مصانع السلاح هناك، حيث وجد مصنعًا لدروع الدبابات فى تل أبيب، وكانت الحكومة أعدت نفسها لتجنب الحرب والدخول فى المسار القانونى والسياسى للدفاع عن فلسطين، لكن الملك فاروق، الذى تجاهل كل التقارير والنصائح، التقارير الدبلوماسية والمخابراتية، فضلًا عن نصائح خارجية، قال له بوضوح صديقه الملك أحمد زوغو، الذى كان لاجئًا فى الإسكندرية: لا أتصور يا جلالة الملك أن بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة تقرر إقامة دولة لليهود، ثم تسمح لك بإزالتها، قرر الملك فى لحظة الدفع بالقوات إلى داخل فلسطين، وعدم الاكتفاء بالفدائيين والمتطوعين، فوافقه قادة الأحزاب، لكن هناك من تمسك برفض خوض الحرب، مثل إسماعيل صدقى.

وفى أوراق الأستاذ إحسان عبد القدوس، التى قمت بنشر بعضها على صفحات مجلة «المصور» وجدت جدلًا غاضبًا بين إحسان وعلى صبرى سنة ١٩٥٨، حيث بعث على صبرى رسالة إلى الأستاذ إحسان يؤكد فيها أن «الأسلحة الفاسدة» ليست صحيحة، فغضب إحسان بشدة معتبرًا ذلك انتقاصًا من دوره فى ثورة يوليو ومن مجده الصحفى، فرد عليه أنه سمع بها من جمال عبد الناصر، الذى كان مشاركًا فى الحرب، وبدا من الرد أن إحسان لا يريد إعادة فتح هذا الملف، وبغض النظر عن ذلك وأن الحملة الصحفية لا تبنى على مصدر واحد، أو طرف واحد من عدة أطراف فى الميدان، فإننا كنا بإزاء وضع متأزم ويحتاج مصارحة ومكاشفه وصولًا إلى حل.

وقع على صبرى رسالته الى إحسان بمسمى «وزير برئاسة الجمهورية»، وهو مسمى مدير المخابرات العامة وقتها، وأتصور أن هذه الرسالة أرسلت بعلم عبد الناصر، أو ليست بمنأى عنه، لم يكن رجل المخابرات ليخاطب رئيس تحرير شهيرًا، معروفًا عنه أنه من المقربين إلى الرئيس، دون علم أو تكليف من الرئيس نفسه.

كان تحقيق قانونى جرى حول هذه القضية بعد حرب ٤٨ مباشرة وانتهى إلى عدم صحة مسألة الأسلحة الفاسدة، ثم جرى تحقيق آخر فى الأمر بعد ثورة ٥٢، أى بعد خروج الملك فاروق وحاشيته ورجاله من المشهد، وانتهى إلى نفس النتيجة (يمكن مراجعة كتاب د.عبد الوهاب بكر عن هذه القضية، وما جرى من تحقيقات حولها. للتذكرة فقط أكد جمال عبد الناصر بوضوح تام فى كتابه «فلسفة الثورة»، سنة٥٣، أن ما جرى فى مصر يوم ٢٣ يوليو ٥٢، كان لأسباب داخلية بحتة ولا شأن له بما جرى فى حرب فلسطين.

ويجب القول إننا كنا، قبل٦٧، بإزاء آراء فردية ونخبوية جدًّا ترى الدخول فى عملية سلمية، خاصة بعد مشهد احتلال سيناء سنة ٥٦، صحيح أننا حققنا نصرًا سياسيًا كبيرا، لكن الموقف العسكرى كان واضحًا للجميع.

بعد ٥٦، أصدر د. رشدى سعيد كتيبًا عن ضرورة تعمير سيناء، وما كان ممكنًا التعمير بالخطوات التى طرحها د. رشدى فى ظل حالة الحرب. الواضح أنه على مستوى قيادات الدولة، أقصد عبد الناصر وزملاءه انحصر الأمر بعد ٥٦، فى عجز عبد الحكيم عامر عن القيادة العامة للقوات المسلحة، وضعف قائد الطيران اللواء صدقى محمود، فعليًا كان كل منهما لا يصلح للقيادة، لكن لم يتم الالتفات جيدًا إلى مدى قوة الخصم عسكريًّا، والاعتراف الدولى الذى يلقاه، فضلًا عن مساندة القوى العظمى، وأتصور أن عبدالناصر نفسه كان مدركًا والدليل أنه فى جلسة سرية للزعماء العرب فى قمة٦٤، ذكر أنه لا توجد خطة جاهزة للهجوم على إسرائيل، ومعنى هذا أنه كانت هناك حدود للقوة ولمصادر التسليح ونوعياته، فضلًا عن أنه كانت هناك أولويات أخرى لدى الدولة تتركز فى ضرورة التنمية وتوفير لقمة العيش للملايين، بتوفير القمح، حيث كنا نعانى أزمة فى توفيره، ومعالجة البلهارسيا ومكافحة الحفاء وضرورة بناء السد العالى.

ومع ذلك يمكننا القول إننا قبل هزيمة يونيو كنا فى بحبوحة من التفكير ومن التصرف، وزير خارجية سابق يشير بوضوح إلى ضرورة تجنب الحرب، شيخ الصحفيين ونقيبهم العتيد يطالب بالسلام، وهكذا، أما بعد احتلال سيناء بالكامل، مع وصول القوات الإسرائيلية إلى الشاطئ الشرقى لقناة السويس ويمكن لجنودهم الاستحمام بها، فصار الأمر مختلفًا بالمرة.

* نقلا عن " المصري اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة