.
.
.
.

لاعب كرة قدم.. وقائد سياسي!

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

فى عام 1995، تم اختيار الليبيرى جورج ويا كأفضل لاعب كرة قدم فى العالم، لكنه بعد هذا التاريخ بعشر سنوات سعى إلى خوض غمار منافسة من نوع آخر.. لقد سعى إلى الحصول على منصب الرئاسة فى بلاده، حيث كانت حظوظه آنذاك معتبَرة وشعبيته ملحوظة، رغم أنها لم تُمكنه من الفوز بهذا المنصب المهم فى تلك الانتخابات.

ولأن ارتداء القمصان يُعد من مظاهر الثراء فى هذا البلد الأفريقى الفقير؛ فقد رسم أنصار «ويا» فى حملته الانتخابية الرئاسية الأولى صوره على ظهورهم العارية، وكتبوا تحتها «خيار الشعب». أما «ويا» فقد ظل يخطب فى مؤيديه، قائلاً: «كنت أرتدى القميص الرقم 14 مع المنتخب، والقميص الرقم 9 مع ميلان؛ فإذا جمعنا الرقمين لحصلنا على الرقم 23، وها أنتم تقتربون من انتخاب الرئيس الـ23 لبلادنا.. 23 هو رقم حظى».

لم يوفق جورج ويا فى تلك الانتخابات، لكنه ظل مصراً على الفوز بهذا المنصب الأهم فى بلاده، ولذلك، فقد عمل بجد على بناء قدراته السياسية وروابطه التنظيمية، ثم خاض الانتخابات مرة أخرى فى عام 2017، ليفوز بمنصب الرئيس، بعدما بات رمزاً سياسياً وإنسانياً فى بلاده وفى قارته، مُتوجاً مسيرة رياضية رائعة، وصل خلالها إلى أعلى منصات التتويج.

من جانبى، أحمل إعجاباً وتقديراً شديدين لمسيرة جورج ويا الرياضية والسياسية؛ فهو كلاعب لم يُعرف عنه فقط إبداعه واجتهاده وتألقه، لكنه أيضاًً أظهر التزاماً أخلاقياً كبيراً خلال مسيرته الاحترافية التى لعب خلالها فى نحو عشرة أندية فى عدد من القارات. وكسياسى، فإن جورج ويا سعى فى البداية للاستفادة من شهرته وإعجاب مواطنيه بقدراته الكروية الفذّة ليمنحوه ثقتهم، بما يؤهله للصعود لمنصب الرئيس، قبل أن ينضج سياسياً، ويدرك أنه بحاجة ماسة إلى جهد سياسى دؤوب ومطرد، حتى يفوز بتلك الثقة، وهو الأمر الذى لم يُقصّر فيه، حتى إنه استطاع بالفعل أن يعود إلى خوض الانتخابات بعد نحو 12 عاماً من خسارته لها، وأن يتوافر على القدرات والمؤهلات اللازمة لنيل ثقة مواطنيه، ليصبح رئيساً للبلاد.

ثمة تيار علمى مهم يركز اهتمامه على دراسة العلاقة بين الرياضة عموماً، وكرة القدم خصوصاً، وبين السياسة، وينخرط علماء ومفكرون كبار فى هذا التيار، ومعظمهم يرى فى الرياضة شيئاً من الإبداع الإنسانى الذى يمكن أن يكون له مردود قومى، وإلا لما تنافست الأمم فى البطولات الكبرى تحت رايات الدول الوطنية.

ونحن نعرف أيضاًً أن كرة القدم، والرياضة عموماً، هى أحد المؤشرات التى تُقاس بها مكانة الدولة لجهة قوتها الناعمة، ويكفى فى هذا الصدد أن نذكر ما فعلته كرة القدم لدول مثل الأرجنتين والبرازيل، وما قدّمه لاعبون موهوبون لبلادهم من تقدير واحتفاء عالمى، بشكل انعكس فى ميزان القوة الناعمة وعزّز مكانة الدولة وعظّم صورتها الذهنية.

لكن الأمور لا تسير على هذا النحو الواضح والمستقر فى كثير الأحيان، بل إنها أحياناً ما تضحى موضع ارتباك ونزاع، حين تتداخل اعتبارات الرياضة مع اعتبارات السياسة، فى الوقت الذى يكون فيه اللاعبون فى ميادين التبارى حريصين أيضاًً على لعب أدوار سياسية.

وفى هذا الصدد، تبرز حجتان متعارضتان، أولاهما يردّدها سياسيون وقطاعات من الجمهور ولاعبون سابقون أو حاليون، ومفادها أن «الرياضى فى ساحة التبارى هو إنسان، ومواطن، وقدوة للناس، وصاحب رأى وموقف من التطورات السياسية الحاصلة، ولذلك فعليه أن يعلن عن موقفه بوضوح، سواء من خلال تأييد المرشحين المتنافسين فى الانتخابات، أو رفع إعلام دول يؤيدونها، أو الانخراط فى حملات التأييد والمناصرة لجماعة أو دولة أو قضية سياسية، أو تسخير حساباته على وسائط (التواصل الاجتماعى) ولقاءاته الإعلامية فى استوديوهات التحليل الرياضى من أجل نصرة قضية سياسية معينة، بدواعٍ قومية أو إنسانية أو سياسية».

وفى هذه الحال، يتحول الرياضى الذى يركل الكرة فى الميدان، أو يتسابق فى مسبح أولمبى، إلى داعية سياسى، وصاحب موقف، بل يدعو أقرانه إلى التشبّه به، واتخاذ الموقف ذاته، وينتقد الآخرين الذين لم يشاركوه هذا الانخراط الملغز والمثير للجدل.

أما الحجّة الثانية فتتّخذ من موقف جورج ويا وسيلة للإقناع، فذلك اللاعب الموهوب لم يمارس السياسة، ولم يعلن عن موقفه السياسى إلا بعدما أنهى مهمته فى الملاعب، وبالتالى صار من حقه أن يُكوّن رأياً، وأن يمارس السياسة، وأن ينحاز لموقف أو قضية، وأن يروّج لها، وأن يخوض الانتخابات، ويخسر أو يربح، استناداً إلى موارده السياسية، وليس لقدرته على إحراز الأهداف فى شباك الخصوم.

عندما تكون رياضياً تحقق إنجازات مشهوداً لها، وتحظى بإعجاب الجمهور وثقته، فقد حدث هذا استناداً إلى مناقبك الرياضية، وقدراتك الفنية والبدنية، وعندما ترفع علماً فى هذه الأثناء، فليكن علم بلادك الذى ترتدى ألوانه فى الميدان، لكن هذا لا يعنى بالضرورة أنك صاحب بصيرة سياسية لا تخطئ، وصاحب موقف سياسى لا تجوز معارضته أو انتقاده.

وإذا أردت أن تمارس السياسة، فليس عليك سوى أن تنهى مسيرتك كلاعب، وأن تنخرط فى ميادين السياسة، ولا تتوسل مكسباً سياسياً كمكافأة لما أحرزته من أهداف فى ملعب كرة القدم، ولا تعتبر أن كونك لاعباً جيداً يعنى بالضرورة أنك سياسى جيد، وأن رؤيتك الواضحة للملعب هى بالضرورة دليل على سلامة رؤيتك السياسية.

السياسة والرياضة ميدانان مختلفان، والخلط المُغرض بينهما يضر بكليهما، ويضلل الناس.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.